وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه يهود! ثم لقد كان وراء النزعة المادية الإلحادية ..يهودي ..ووراء النزعة الحيوانية الجنسية يهودي ..ووراء معظم النظريات الهدامة لكل المقدسات والضوابط يهود! [1]
ولقد كانت الحرب التي شنها اليهود على الإسلام أطول أمدا،وأعرض مجالا،من تلك التي شنها عليه المشركون والوثنيون - على ضراوتها - قديما وحديثا ..إن المعركة مع مشركي العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عاما في جملتها.وكذلك كانت المعركة مع فارس في العهد الأول.أما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنية الهندية والإسلام ضراوة ظاهرة ولكنها لا تبلغ ضراوة الصهيونية العالمية .. (التي تعد الماركسية مجرد فرع لها) وليس هناك ما يماثل معركة اليهود مع الإسلام في طول الأمد وعرض المجال إلا معركة الصليبية،التي سنتعرض لها في الفقرة التالية.
فإذا سمعنا اللّه - سبحانه - يقول: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا» ..
ويقدم اليهود في النص على الذين أشركوا ..ثم راجعنا هذا الواقع التاريخي،فإننا ندرك طرفا من حكمة اللّه في تقديم اليهود على الذين أشركوا! إنهم هذه الجبلة النكدة الشريرة،التي ينغل الحقد في صدورها على الإسلام وعلى نبي الإسلام،فيحذر اللّه نبيه وأهل دينه منها ..ولم يغلب هذه الجبلة النكدة الشريرة إلا الإسلام وأهله يوم أن كانوا أهله! ..ولن يخلص العالم من هذه الجبلة النكدة إلا الإسلام يوم يفيء أهله إليه ..
«وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا:إِنَّا نَصارى .ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا،وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ.وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ،يَقُولُونَ:رَبَّنا آمَنَّا،فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ.وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ،وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ.فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها،وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ.وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» ..
إن هذه الآيات تصور حالة،وتقرر حكما في هذه الحالة ..تصور حالة فريق من أتباع عيسى - عليه السّلام: «الَّذِينَ قالُوا:إِنَّا نَصارى » ..وتقرر أنهم أقرب مودة للذين آمنوا ..
ومع أن متابعة مجموع الآيات لا تدع مجالا للشك في أنها تصور حالة معينة،هي التي ينطبق عليها هذا التقرير المعين،فإن الكثيرين يخطئون فهم مدلولها،ويجعلون منها مادة للتميع المؤذي في تقدير المسلمين لموقفهم من المعسكرات المختلفة،وموقف هذه المعسكرات منهم ..لذلك نجد من الضروري - في
(1) - يراجع فصل:اليهود الثلاثة:ماركس وفرويد ودركايم في كتاب «التطور والثبات» .محمد قطب. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )