في الأولى تحذير من القرب.وفي الثانية تحذير من الاعتداء ..فلما ذا كان الاختلاف؟
في المناسبة الأولى كان الحديث عن محظورات مشتهاة: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ..هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ..عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ،فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ،فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ.وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ.ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ،وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ..تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها» ..
والمحظورات المشتهاة شديدة الجاذبية.فمن الخير أن يكون التحذير من مجرد الاقتراب من حدود اللّه فيها،اتقاء لضعف الإرادة أمام جاذبيتها إذا اقترب الإنسان من مجالها ووقع في نطاق حبائلها! أما هنا فالمجال مجال مكروهات واصطدامات وخلافات.فالخشية هنا هي الخشية من تعدي الحدود في دفعة من دفعات الخلاف وتجاوزها وعدم الوقوف عندها.فجاء التحذير من التعدي لا من المقاربة.بسبب اختلاف المناسبة ..وهي دقة في التعبير عن المقتضيات المختلفة عجيبة!
ثم نمضي مع السياق في أحكام الطلاق: «فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا.إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ.وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» .
إن الطلقة الثالثة - كما تبين - دليل على فساد أصيل في هذه الحياة لا سبيل إلى إصلاحه من قريب - إن كان الزوج جادا عامدا في الطلاق - وفي هذه الحالة يحسن أن ينصرف كلاهما إلى التماس شريك جديد.فأما إن كانت تلك الطلقات عبثا أو تسرعا أو رعونة،فالأمر إذن يستوجب وضع حد للعبث بهذا الحق،الذي قرر ليكون صمام أمن،وليكون علاجا اضطراريا لعلة مستعصية،لا ليكون موضعا للعبث والتسرع والسفاهة.
ويجب حينئذ أن تنتهي هذه الحياة التي لا تجد من الزوج احتراما لها،واحتراسا من المساس بها.
وقد يقول قائل:وما ذنب المرأة تهدد حياتها وأمنها واستقرارها بسبب كلمة تخرج من فم رجل عابث؟
ولكننا نواجه واقعا في حياة البشر.فكيف يا ترى يكون العلاج،إن لم نأخذ بهذا العلاج؟ تراه يكون بأن نرغم مثل هذا الرجل على معاشرة زوجة لا يحترم علاقته بها ولا يوقرها؟ فنقول له مثلا:إننا لا نعتمد طلاقك هذا ولا نعترف به ولا نقره! وهذه هي امرأتك على ذمتك فهيا وأمسكها! ..كلا إن في هذا من المهانة للزوجة وللعلاقة الزوجية ما لا يرضاه الإسلام،الذي يحترم المرأة ويحترم علاقة الزوجية ويرفعها إلى درجة العبادة للّه ..إنما تكون عقوبته أن نحرمه زوجه التي عبث بحرمة علاقاتها معه وأن نكلفه مهرا وعقدا جديدين إن تركها تبين منه في الطلقتين الأوليين وأن نحرمها عليه في