وإذن فلا فزع من الموت،ولا خوف من الفقر،ولا محيد عن الرجعة إلى اللّه.وإذن فليجاهد المؤمنون في سبيل اللّه،وليقدموا الأرواح والأموال وليستقينوا أن أنفاسهم معدودة،وأن أرزاقهم مقدرة،وأنه من الخير لهم أن يعيشوا الحياة قوية طليقة شجاعة كريمة.ومردهم بعد ذلك إلى اللّه ..
ولا يفوتني بعد تقرير تلك الإيحاءات الإيمانية التربوية الكريمة التي تضمنتها الآيات ..أن ألم بذلك الجمال الفني في الأداء: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ؟» ..إن في التعبير استعراضا لهذه الألوف ولهذه الصفوف استعراضا ترسمه هاتان الكلمتان: «أَلَمْ تَرَ؟» ..وأي تعبير آخر ما كان ليرسم أمام المخيلة هذا الاستعراض كما رسمته هاتان الكلمتان العاديتان في موضعهما المختار.
ومن مشهد الألوف المؤلفة،الحذرة من الموت،المتلفتة من الذعر ..إلى مشهد الموت المطبق في لحظة ومن خلال كلمة: «مُوتُوا» ..كل هذا الحذر،وكل هذا التجمع،وكل هذه المحاولة ..كلها ذهبت هباء في كلمة واحدة: «مُوتُوا» ..ليلقي ذلك في الحس عبث المحاولة،وضلالة المنهج كما يلقي صرامة القضاء،وسرعة الفصل عند اللّه.
«ثُمَّ أَحْياهُمْ» ..هكذا بلا تفصيل للوسيلة ..إنها القدرة المالكة زمام الموت وزمام الحياة.المتصرفة في شؤون العباد،لا ترد لها إرادة ولا يكون إلا ما تشاء ..وهذا التعبير يلقي الظل المناسب على مشهد الموت ومشهد الحياة.
ونحن في مشهد إماتة وإحياء.قبض للروح وإطلاق ..فلما جاء ذكر الرزق كان التعبير: «وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ» ..متناسقا في الحركة مع قبض الروح وإطلاقها في إيجاز كذلك واختصار.
وكذلك يبدو التناسق العجيب في تصوير المشاهد،إلى جوار التناسق العجيب في إحياء المعاني وجمال الأداء ..
ثم يورد السياق التجربة الثانية،وأبطالها هم بنو إسرائيل من بعد موسى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.قالَ:هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا! قالُوا:وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا؟ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ.وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» ..
ألم تر؟ كأنها حادث واقع ومشهد منظور ..لقد اجتمع الملأ من بني إسرائيل،من كبرائهم وأهل الرأي فيهم - إلى نبي لهم.ولم يرد في السياق ذكر اسمه،لأنه ليس المقصود بالقصة،وذكره هنا لا يزيد شيئا في ايحاء القصة،وقد كان لبني إسرائيل كثرة من الأنبياء يتتابعون في تاريخهم الطويل ..لقد اجتمعوا إلى نبي لهم،وطلبوا إليه أن يعين لهم ملكا يقاتلون تحت إمرته «فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ..وهذا التحديد منهم لطبيعة القتال،وأنه في «سَبِيلِ اللَّهِ» يشي بانتفاضة العقيدة في قلوبهم،ويقظة الإيمان في