فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 4997

نفوسهم،وشعورهم بأنهم أهل دين وعقيدة وحق،وأن أعداء هم على ضلالة وكفر وباطل ووضوح الطريق أمامهم للجهاد في سبيل اللّه.

وهذا الوضوح وهذا الحسم هو نصف الطريق إلى النصر.فلا بد للمؤمن أن يتضح في حسه أنه على الحق وأن عدوه على الباطل ولا بد أن يتجرد في حسه الهدف ..في سبيل اللّه ..فلا يغشيه الغبش الذي لا يدري معه إلى أين يسير.

وقد أراد نبيهم أن يستوثق من صدق عزيمتهم،وثبات نيتهم،وتصميمهم على النهوض بالتبعة الثقيلة،وجدّهم فيما يعرضون عليه من الأمر: « قالَ:هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا» ..

ألا ينتظر أن تنكلوا عن القتال إن فرض عليكم؟ فأنتم الآن في سعة من الأمر.فأما إذا استجبت لكم،فتقرر القتال عليكم فتلك فريضة إذن مكتوبة ولا سبيل بعدها إلى النكول عنها ..إنها الكلمة اللائقة بني،والتأكد اللائق بني.فما يجوز أن تكون كلمات الأنبياء وأوامرهم موضع تردد أو عبث أو تراخ.

وهنا ارتفعت درجة الحماسة والفورة وذكر الملأ أن هناك من الأسباب الحافزة للقتال في سبيل اللّه ما يجعل القتال هو الأمر المتعين الذي لا تردد فيه: «قالُوا:وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا؟» ..

ونجد أن الأمر واضح في حسهم،مقرر في نفوسهم ..إن أعداءهم أعداء اللّه ولدين اللّه.وقد أخرجوهم من ديارهم وسبوا أبناءهم.فقتالهم واجب والطريق الواحدة التي أمامهم هي القتال ولا ضرورة إلى المراجعة في هذه العزيمة أو الجدال.

ولكن هذه الحماسة الفائرة في ساعة الرخاء لم تدم.ويعجل السياق بكشف الصفحة التالية: «فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ» ..

وهنا نطلع على سمة خاصة من سمات إسرائيل في نقض العهد،والنكث بالوعد،والتفلت من الطاعة،والنكوص عن التكليف،وتفرق الكلمة،والتولي عن الحق البين ..ولكن هذه كذلك سمة كل جماعة لا تنضج تربيتها الإيمانية فهي سمة بشرية عامة لا تغير منها إلا التربية الإيمانية العالية الطويلة الأمد العميقة التأثير.وهي - من ثم - سمة ينبغي للقيادة أن تكون منها على حذر،وأن تحسب حسابها في الطريق الوعر،كي لا تفاجأ بها،فيتعاظمها الأمر! فهي متوقعة من الجماعات البشرية التي لم تخلص من الأوشاب،ولم تصهر ولم تطهر من هذه العقابيل.

والتعقيب على هذا التولي: « وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» ..وهو يشي بالاستنكار ووصم الكثرة التي تولت عن هذه الفريضة - بعد طلبها - وقبل أن تواجه الجهاد مواجهة عملية ..وصمها بالظلم.فهي ظالمة لنفسها،وظالمة لنبيها،وظالمة للحق الذي خذلته وهي تعرف أنه الحق،ثم تتخلى عنه للمبطلين! إن الذي يعرف أنه على الحق،وأن عدوه على الباطل - كما عرف الملأ من بني إسرائيل وهم يطلبون أن يبعث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت