ثم يختم الآية بتبشير المؤمنين بالحسنى عند لقاء اللّه،وفي هذا الذي يقدمونه من الحرث،فكل عمل للمؤمن خير،وهو يتجه فيه إلى اللّه: «وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» ..
هنا نطلع على سماحة الإسلام،الذي يقبل الإنسان كما هو،بميوله وضروراته لا يحاول أن يحطم فطرته باسم التسامي والتطهر ولا يحاول أن يستقذر ضروراته التي لا يد له فيها إنما هو مكلف إياها في الحقيقة لحساب الحياة وامتدادها ونمائها! إنما يحاول فقط أن يقرر إنسانيته ويرفعها،ويصله باللّه وهو يلبي دوافع الجسد.يحاول أن يخلط دوافع الجسد بمشاعر إنسانية أولا،وبمشاعر دينية أخيرا فيربط بين نزوة الجسد العارضة وغايات الإنسانية الدائمة ورفرفة الوجدان الديني اللطيف ويمزج بينها جميعا في لحظة واحدة،وحركة واحدة،واتجاه واحد،ذلك المزج القائم في كيان الإنسان ذاته،خليفة اللّه في أرضه،المستحق لهذه الخلافة بما ركب في طبيعته من قوى وبما أودع في كيانه من طاقات ..وهذا المنهج في معاملة الإنسان هو الذي يلاحظ الفطرة كلها لأنه من صنع خالق هذه الفطرة.وكل منهج آخر يخالف عنه في قليل أو كثير يصطدم بالفطرة فيخفق،ويشقى الإنسان فردا وجماعة.واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون ..
ثم ينتقل السياق من الحديث عن حكم المباشرة في فترة الحيض،إلى الحديث عن حكم الإيلاء ..أي الحلف بالهجران والامتناع عن المباشرة ..وبهذه المناسبة يلم بالحلف ذاته فيجعل الحديث عنه مقدمة للحديث عن الإيلاء: «وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ،وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ،لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ،وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ،وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ.لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ،وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ..
التفسير المروي في قوله تعالى: «وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ..» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:""وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ", يَقُولُ:لا تَجْعَلَنَّ عُرْضَةً لَيَمِينِكَ أَلا تَصْنَعَ الْخَيْرَ وَلَكِنْ كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكِ وَاصْنَعِ الْخَيْرَ"،قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:وَرُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ،وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ،وَالشَّعْبِيِّ،وَمُجَاهِدٍ،وَعَطَاءٍ،وَالزُّهْرِيِّ،وَالْحَسَنِ،وَعِكْرِمَةَ،وَطَاوُسَ،وَمَكْحُولٍ،وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ،وَقَتَادَةَ،وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ،وَالضَّحَّاكِ،وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ،وَالسُّدِّيِّ،نَحْوُ ذَلِكَ.كما نقل ابن كثير [1] .
ومما يستشهد به لهذا التفسير ما رواه مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ أَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامِهِ فَحَلَفَ لاَ يَأْكُلُ مِنْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَكَلَ
(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [1 /600] وتفسير ابن أبي حاتم [2 /126] (2185) حسن