وقد سبق تعريف هذه الفرق.وهي تذكر هنا بمناسبة أن اللّه يهدي من يريد،وهو أعلم بالمهتدين والضالين،وعليه حساب الجميع،والأمر إليه في النهاية،وهو على كل شيء شهيد.
وإذا كان الناس بتفكيرهم ونزعاتهم وميولهم،فإن الكون كله - فيما عداهم - يتجه بفطرته إلى خالقه،يخضع لناموسه،ويسجد لوجهه: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ،وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ،وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ،وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ،وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ.وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ.إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ» ..
ويتدبر القلب هذا النص،فإذا حشد من الخلائق مما يدرك الإنسان ومما لا يدرك.وإذا حشد من الأفلاك والأجرام.مما يعلم الإنسان ومما لا يعلم.وإذا حشد من الجبال والشجر والدواب في هذه الأرض التي يعيش عليها الإنسان ..إذا بتلك الحشود كلها في موكب خاشع تسجد كلها للّه،وتتجه إليه وحده دون سواه.تتجه إليه وحده في وحدة واتساق.إلا ذلك الإنسان فهو وحده الذي يتفرق: «وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ» فيبدو هذا الإنسان عجيبا في ذلك الموكب المتناسق.
وهنا يقرر أن من يحق عليه العذاب فقد حق عليه الهوان: «وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ» ..فلا كرامة إلا بإكرام اللّه،ولا عزة إلا بعزة اللّه.وقد ذل وهان من دان لغير الديان.
ثم مشهد من مشاهد القيامة يتجلى فيه الإكرام والهوان،في صورة واقع يشهد كأنه معروض للعيان:
«هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ.فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ،يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ،يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ،كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها - مِنْ غَمٍّ - أُعِيدُوا فِيها.وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ.إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ،يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ» .
إنه مشهد عنيف صاحب،حافل بالحركة،مطوّل بالتخييل الذي يبعثه في النفس نسق التعبير.فلا يكاد الخيال ينتهي من تتبعه في تجدّده ..هذه ثياب من النار تقطع وتفصل! وهذا حميم ساخن يصب من فوق الرؤوس،يصهر به ما في البطون والجلود عند صبه على الرؤوس! وهذه سياط من حديد أحمته النار ..وهذا هو العذاب يشتد،ويتجاوز الطاقة،فيهب «فَالَّذِينَ كَفَرُوا» من الوهج والحميم والضرب الأليم يهمون بالخروج من هذا «الغم» وها هم أولاء يردون بعنف،ويسمعون التأنيب: «وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ» ..ويظل الخيال يكرر هذه المشاهد من أولى حلقاتها إلى أخراها،حتى يصل إلى حلقة محاولة الخروج والرد العنيف،ليبدأ في العرض من جديد! ولا يبارح الخيال هذا المشهد العنيف المتجدد إلا أن يلتفت إلى الجانب الآخر،الذي يستطرد السياق إلى عرضه.فأصل الموضوع أن هناك خصمين اختصموا في ربهم.فأما الذين كفروا به فقد كنا نشهد مصيرهم المفجع منذ لحظة! وأما الذين آمنوا