البشري خاشعا أمام جلال الخالق الباقي الذي لا يتحول ولا يتبدل ولا يغيب وأمام قدرة الخالق القوي المدبر الحكيم: «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» ..
وأمام هذا المشهد الخاشع يلقي بالإيقاع الأخير في هذه الجولة متخذا من ذلك المشهد دليلا كونيا على يسر الخلق وسهولة البعث: «ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ.إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ» ..
والإرادة التي تخلق بمجرد توجه المشيئة إلى الخلق،يستوي عندها الواحد والكثير فهي لا تبذل جهدا محدودا في خلق كل فرد،ولا تكرر الجهد مع كل فرد.وعندئذ يستوي خلق الواحد وخلق الملايين.وبعث النفس الواحدة وبعث الملايين.إنما هي الكلمة.هي المشيئة: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» ..ومع القدرة العلم والخبرة مصاحبين للخلق والبعث وما وراءهما من حساب وجزاء دقيق: «إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ» ..
وتأتي الجولة الأخيرة تعالج القضية التي عالجتها الجولات الثلاث من قبل.فتقرر أن اللّه هو الحق وأن
ما يدعون من دونه الباطل.وتقرر إخلاص العبادة للّه وحده.وتقرر قضية اليوم الآخر الذي لا يجزى فيه والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ..وتستصحب مع هذه القضايا مؤثرات منوعة جديدة.وتعرضها في المجال الكوني الفسيح .. «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ؟ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى؟ وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ؟ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ،وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ،وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» ..
ومشهد دخول الليل في النهار،ودخول النهار في الليل،وتناقصهما وامتدادهما عند اختلاف الفصول،مشهد عجيب حقا،ولكن طول الألفة والتكرار يفقد أكثر الناس الحساسية تجاهه فلا يلحظون هذه العجيبة،التي تتكرر بانتظام دقيق،لا يتخلف مرة ولا يضطرب ولا تنحرف تلك الدورة الدائبة التي لا تكل ولا تحيد ..واللّه وحده هو القادر على إنشاء هذا النظام وحفظه ولا يحتاج إدراك هذه الحقيقة إلى أكثر من رؤية تلك الدورة الدائبة التي لا تكل ولا تحيد.
وعلاقة تلك الدورة بالشمس والقمر وجريانهم المنتظم علاقة واضحة.وتسخير الشمس والقمر عجيبة أضخم من عجيبة الليل والنهار ونقصهما وزيادتهما.وما يقدر على هذا التسخير إلا اللّه القدير الخبير.وهو الذي يقدر ويعلم أمد جريانهما إلى الوقت المعلوم.ومع حقيقة إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل وحقيقة تسخير الشمس والقمر - وهما حقيقتان كونيتان بارزتان - حقيقة أخرى مثلهما يقررها معهما في آية واحدة: «وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» ..وهكذا تبرز هذه الحقيقة الغيبية،إلى جانب الحقائق الكونية.حقيقة مثلها،ذات ارتباط بها وثيق.
ثم يعقب على هذه الحقائق الثلاث بالحقيقة الكبرى التي تقوم عليها الحقائق جميعا.الحقيقة الأولى التي تنبثق منها الحقائق جميعا.وهي الحقيقة التي تعالجها الجولة وتقدم لها بهذا الدليل:«ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ