يتركون هؤلاء المستضعفين الظالمي أنفسهم.بل يجبهونهم بالحقيقة الواقعة ويؤنبونهم على عدم المحاولة،والفرصة قائمة:
«قالُوا:أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها؟!» ..
إنه لم يكن العجز الحقيقي هو الذي يحملهم - إذن - على قبول الذل والهوان والاستضعاف،والفتنة عن الإيمان ..إنما كان هناك شيء آخر ..حرصهم على أموالهم ومصالحهم وأنفسهم يمسكهم في دار الكفر،وهناك دار الإسلام.ويمسكهم في الضيق وهناك أرض اللّه الواسعة.والهجرة إليها مستطاعة مع احتمال الآلام والتضحيات.
وهنا ينهي المشهد المؤثر،بذكر النهاية المخيفة: «فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ،وَساءَتْ مَصِيرًا» ..
ثم يستثني من لا حيلة لهم في البقاء في دار الكفر والتعرض للفتنة في الدين والحرمان من الحياة في دار الإسلام من الشيوخ الضعاف،والنساء والأطفال فيعلقهم بالرجاء في عفو اللّه ومغفرته ورحمته.بسبب
عذرهم البين وعجزهم عن الفرار: «إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ،لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا.فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ،وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا» ..
ويمضي هذا الحكم إلى آخر الزمان متجاوزا تلك الحالة الخاصة التي كان يواجهها النص في تاريخ معين،وفي بيئة معينة ..يمضي حكما عاما يلحق كل مسلم تناله الفتنة في دينه في أية أرض وتمسكه أمواله ومصالحه،أو قراباته وصداقاته أو إشفاقه من آلام الهجرة ومتاعبها.متى كان هناك - في الأرض في أي مكان - دار للإسلام يأمن فيها على دينه،ويجهر فيها بعقيدته،ويؤدي فيها عباداته ويحيا حياة إسلامية في ظل شريعة اللّه،ويستمتع بهذا المستوي الرفيع من الحياة ..
أما السياق القرآني فيمضي في معالجة النفوس البشرية التي تواجه مشاق الهجرة ومتاعبها ومخاوفها وتشفق من التعرض لها.وقد عالجها في الآيات السابقة بذلك المشهد المثير للاشمئزاز والخوف معا.فهو يعالجها بعد ذلك ببث عوامل الطمأنينة - سواء وصل المهاجر إلى وجهته أو مات في طريقه - في حالة الهجرة في سبيل اللّه وبضمان اللّه للمهاجر منذ أن يخرج من بيته مهاجرا في سبيله.ووعده بالسعة والمتنفس في الأرض والمنطلق،فلا تضيق به الشعاب والفجاج: «وَمَنْ يُهاجِرْ - فِي سَبِيلِ اللَّهِ - يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً.وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ - ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ - فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» [1] ..
(1) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"كَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ:ضَمْرَةُ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، وَكَانَ مَرِيضًا،فَقَالَ لأَهْلِهِ:اخْرِجُونِي مِنْ مَكَّةَ، فَإِنِّي أَجِدُ الْحَرَّ.فَقَالُوا:أَيْنَ نُخْرِجَكَ ؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ يَعْنِي.فَمَاتَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:"وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ"".تفسير ابن أبي حاتم [4 /327] (5921) صحيح
وعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ قَالَ:"هَاجَرَ خَالِدُ بْنُ حِزَامٍ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَنَهِشَتْهُ حَيَّةٌ فِي الطَّرِيقِ فَمَاتَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ:"وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا"قَالَ الزُّبَيْرُ:وَكُنْتُ أَتَوَقَّعُهُ وَأَنْتَظِرُ قُدُومَهُ وَأَنَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَمَا أَحْزَنَنِي شَيْءٌ حُزْنِي وَفَاتُهُ حِينَ بَلَغَنِي، لأَنَّهُ قَلَّ أَحَدٌ مَنْ هَاجَرَ مِنْ قُرَيْشٍ إِلا مَعَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ أَوْ ذِي رَحِمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَلا أَرْجُو غَيْرَهُ".تفسير ابن أبي حاتم [4 /328] (5922) صحيح
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"خَرَجَ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَنَزَلَتْ:"وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ"الآيَةَ".تفسير ابن أبي حاتم [4 /328] (5923) صحيح
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي ضَمْرَةَ بْنِ الْعِيصِ الزَّرْقِيِّ الَّذِي كَانَ مُصَابُ الْبَصَرِ وَكَانَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ:""إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً"فَقُلْتُ:إِنَّنِي لَغَنِيُّ وَإِنِّي لَذُو حِيلَةٍ، قَالَ:فَتَجَهَّزَ يُرِيدُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ بِالتَّنْعِيمِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:"وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ"".تفسير ابن أبي حاتم [4 /329] (5924) صحيح مرسل