فهرس الكتاب
وصدق اللّه العظيم: « يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ،وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ،وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ:بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» ..
وفي ظل هذا الحديث عن فضل اللّه ورحمته،المتمثلين فيما جاء للناس من موعظة وهدى وشفاء لما في الصدور،يتعرض السياق للجاهلية،وهي تزاول حياتها العملية،لا وفق ما جاء من عند اللّه ولكن وفق أهواء البشر،واعتدائهم على خصائص اللّه سبحانه،ومزاولتهم أمر التحليل والتحريم فيما رزقهم اللّه: «قُلْ:أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا! قُلْ:آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ؟ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ؟ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ؟ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ،وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ» ..
قل:ماذا ترون في رزق اللّه الذي أنزله إليكم؟ - وكل ما جاء من عند اللّه في عليائه إلى البشر فهو منزل من ذلك المقام الأعلى - ماذا ترون في هذا الرزق الذي أعطاه لكم،لتتصرفوا فيه وفق إذنه وشرعه،فإذا أنتم - من عند أنفسكم ودون إذن من اللّه لكم - تحرمون منه أنواعا وتحلون منه أنواعا.والتحريم والتحليل تشريع.والتشريع حاكمية.والحاكمية ربوبية،وأنتم تزاولونها من عند أنفسكم: «قُلْ:آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ؟ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ؟» ..
إنها القضية التي يتكرر ذكرها في القرآن الكريم وتواجه بها الجاهلية بين الحين والحين ..ذلك أنها
القضية الكبرى التالية لشهادة أن لا إله إلا اللّه.بل إنها هي هي في حالة التطبيق الواقعي في الحياة.
إن الاعتراف بأن اللّه هو الخالق الرازق يستتبعه حتما أن يكون اللّه هو الرب المعبود وأن يكون هو الذي يحكم في أمر الناس كله ..ومنه أمر هذه الأرزاق التي أعطاها اللّه للبشر،وهي تشمل كل ما يرزقهم من السماء والأرض ..والجاهليون العرب كانوا يعترفون بوجود اللّه - سبحانه - وبأنه الخالق الرازق - كما يعترف اليوم ناس يسمون أنفسهم «المسلمين!» .ثم كانوا مع هذا الاعتراف يزاولون التحريم والتحليل لأنفسهم فيما رزقهم اللّه - كما يزاول ذلك اليوم ناس يسمون أنفسهم «المسلمين!» - وهذا القرآن يواجههم بهذا التناقض بين ما يعترفون به من وجود اللّه ومن أنه الخالق الرازق وما يزاولونه في حياتهم من ربوبية لغير اللّه تتمثل في التشريع الذي يزاوله نفر منهم! وهو تناقض صارخ يدمغهم بالشرك كما يدمغ كل من يزاول هذا التناقض اليوم وغدا وإلى آخر الزمان.مهما اختلفت الأسماء واللافتات.فالإسلام حقيقة واقعة لا مجرد عنوان! ولقد كان الجاهليون العرب يزعمون - كما يزعم اليوم ناس ممن يسمون أنفسهم «المسلمين» - أن هذا الذي يزاولونه من التحريم والتحليل إنما أذن لهم به اللّه.أو كانوا يقولون عنه:شريعة اللّه!
وقد ورد في سورة الأنعام ادعاؤهم أن هذا الذي يحرمونه وهذا الذي يحلونه شرعه اللّه ..وذلك في قوله تعالى:«وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ - بِزَعْمِهِمْ - وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ