فهرس الكتاب
ثم يذكر نعمة اللّه عليه: «وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي » ..
ويذكر لطف اللّه في تدبيره لتحقيق مشيئته: « إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إ » ..
يحقق مشيئته بلطف ودقة خفية لا يحسها الناس ولا يشعرون بها: «إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» ..
ذات التعبير الذي قاله يعقوب وهو يقص عليه رؤياه في مطلع القصة: «إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ..
ليتوافق البدء والختام حتى في العبارات.
وقبل أن يسدل الستار على المشهد الأخير المثير،نشهد يوسف ينزع نفسه من اللقاء والعناق والفرحة والابتهاج والجاه والسلطان،والرغد والأمان ...ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر! كل دعوته - وهو في أبهة السلطان،وفي فرحة تحقيق الأحلام - أن يتوفاه ربه مسلما وأن يلحقه بالصالحين: «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ،وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ.فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» ..
«رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ» ..آتيتني منه سلطانه ومكانه وجاهه وماله.فذلك من نعمة الدنيا.
«وعلمتني من تأويل الأحاديث» ..بإدراك مآلاتها وتعبير رؤاها.فذلك من نعمة العلم.
نعمتك يا ربي أذكرها وأعددها .. «فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» ..بكلمتك خلقتها وبيدك أمرها،ولك القدرة عليها وعلى أهلها .. «أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» ..فأنت الناصر والمعين ..رب تلك نعمتك.وهذه قدرتك.رب إني لا أسألك سلطانا ولا صحة ولا مالا.رب إني أسألك ما هو أبقى وأغنى: «توفني مسلما وألحقني بالصالحين» ..
وهكذا يتوارى الجاه والسلطان،وتتوارى فرحة اللقاء واجتماع الأهل ولمة الإخوان.ويبدو المشهد الأخير مشهد عبد فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه،وأن يلحقه بالصالحين بين يديه.إنه النجاح المطلق في الامتحان الأخير ..