{ الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) }
«الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ،يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ،إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..
تبدأ السورة بتقديم الحمد للّه.فهي سورة قوامها توجيه القلب إلى اللّه،وإيقاظه لرؤية آلائه،واستشعار رحمته وفضله،وتملي بدائع صنعه في خلقه،وامتلاء الحس بهذه البدائع،وفيضه بالتسبيح والحمد والابتهال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» ..
ويتلو حمد اللّه ذكر صفته الدالة على الخلق والإبداع: «فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» ..
فهو منشئ هذه الخلائق الهائلة التي نرى بعضها من فوقنا ومن تحتنا حيث كنا،والتي لا نعرف إلا القليل عن أصغرها وأقربها إلينا ..أمنا الأرض ..والتي ينتظمها ناموس واحد يحفظها في تناسق وتوافق،على ما بينها من أبعاد هائلة لا يتصورها خيالنا البشري إلا بمشقة عظيمة والتي تحوي - مع ضخامتها وتباعد أفلاكها ومداراتها - من أسرار التناسب فيما بينهما ما لو اختلف فيه نسبة صغيرة لتحطمت كلها وتناثرت بددا.
وإننا لنمر على مثل هذه الإشارة في القرآن الكريم إلى خلق السماوات والأرض،دون أن نقف أمامها طويلا لنتدبر مدلولها الهائل كما نمر على مشاهد السماوات والأرض ذاتها بمثل هذه البلادة،لا نقف أمامها إلا قليلا.
ذلك أن حسنا قد تبلد،فلم تعد تلك المشاهد توقع على أوتاره تلك الإيقاعات الموقظة الموحية،التي توقعها على القلوب الموصولة بذكر اللّه،المتيقظة لآثار يده المبدعة في هذا الوجود.وذلك أن الألفة قد أفقدتنا الوهلة والروعة التي يحسها القلب وهو ينظر إلى مثل هذه البدائع للمرة الأولى.
ولا يحتاج القلب المفتوح الواعي الموصول باللّه إلى علم دقيق بمواقع النجوم في السماء،وأحجامها ونسبها،ونسب الفضاء حولها،وطرق سيرها في مداراتها،وعلاقة بعضها ببعض في أحجامها وأوضاعها وحركاتها ...لا يحتاج القلب المفتوح الواعي الموصول باللّه إلى علم دقيق بهذا كله ليستشعر الروعة والرهبة أمام هذا الخلق الهائل الجميل العجيب.فحسبه إيقاع هذه المشاهد بذاتها على أوتاره.حسبه مشهد النجوم المتناثرة في الليلة الظلماء.حسبه مشهد النور الفائض في الليلة القمراء.حسبه الفجر المشقشق بالنور الموحي بالتنفس والانطلاق .حسبه الغروب الزاحف بالظلام الموحي بالوداع والانتهاء