إن الذي يجترح الخطيئة إنما يجترحها عادة وهو يلتذها ويستسيغها ويحسبها كسبا له - على معنى من المعاني - ولو أنها كانت كريهة في حسه ما اجترحها،ولو كان يحس أنها خسارة ما أقدم عليها متحمسا،وما تركها تملأ عليه نفسه،وتحيط بعالمه لأنه خليق لو كرهها وأحس ما فيها من خسارة أن يهرب من ظلها - حتى لو اندفع لارتكابها - وأن يستغفر منها،ويلوذ إلى كنف غير كنفها.وفي هذه الحالة لا تحيط به،ولا تملأ عليه عالمه،ولا تغلق عليه منافذ التوبة والتكفير ..وفي التعبير: «وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ» ..تجسيم لهذا المعنى.وهذه خاصية من خواص التعبير القرآني،وسمة واضحة من سماته تجعل له وقعا في الحس يختلف عن وقع المعاني الذهنية المجردة،والتعبيرات الذهنية التي لا ظل لها ولا حركة.وأي تعبير ذهني عن اللجاجة في الخطيئة ما كان ليشع مثل هذا الظل الذي يصور المجترح الآثم حبيس خطيئته:يعيش في إطارها،ويتنفس في جوها،ويحيا معها ولها.عندئذ ..عند ما تغلق منافذ التوبة على النفس في سجن الخطيئة ..عندئذ يحق ذلك الجزاء العادل الحاسم: «فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» ..
ثم يتبع هذا الشطر بالشطر المقابل من الحكم. « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» ..فمن مقتضيات الإيمان أن ينبثق من القلب في صورة العمل الصالح ..وهذا ما يجب أن يدركه من يدعون الإيمان ..وما أحوجنا - نحن الذين نقول إنا مسلمون - أن نستيقن هذه الحقيقة:أن الإيمان لا يكون حتى ينبثق منه العمل الصالح.فأما الذين يقولون:إنهم مسلمون ثم يفسدون في الأرض،ويحاربون الصلاح في حقيقته الأولى وهي إقرار منهج اللّه في الأرض،وشريعته في الحياة،وأخلاقه في المجتمع،فهؤلاء ليس لهم من الإيمان شيء،وليس لهم من ثواب اللّه شيء،وليس لهم من عذابه واق ولو تعلقوا بأمانيّ كأمانيّ اليهود التي بين اللّه لهم وللناس فيها هذا البيان.
الدرس الخامس:83 - 86 نماذج لتناقض اليهود ومخالفاتهم
ثم يمضي السياق يحدث الجماعة المسلمة عن حال اليهود،ومواقفهم التي يتجلى فيها العصيان والالتواء والانحراف والنكول عن العهد والميثاق.ويواجه اليهود بهذه المواقف على مشهد من المسلمين:« وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ،وَآتُوا الزَّكاةَ ..ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ.وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ.ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ..ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ،وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ،وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ،وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ.أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا،وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ،وَمَا اللَّهُ