« وَالْفَجْرِ.وَلَيالٍ عَشْرٍ.وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ.وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ» . «وَالضُّحى .وَاللَّيْلِ إِذا سَجى » .وفي خطابه الموحي للقلب البشري: «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ..» وفي وصف الجنة: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ،لِسَعْيِها راضِيَةٌ،فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ،لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ...» ووصف النار: «وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ.وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ؟ نارٌ حامِيَةٌ!» ..والأناقة في التعبير واضحة وضوح القصد في اللمسات الجمالية لمشاهد الكون وخوالج النفس.
والعدول أحيانا عن اللفظ المباشر إلى الكناية،وعن اللفظ القريب إلى الاشتقاق البعيد،لتحقيق التنغيم المقصود،مما يؤكد هذه اللفتة خلال الجزء كله على وجه التقريب ..
وهذه السورة نموذج لاتجاه هذا الجزء بموضوعاته وحقائقه وإيقاعاته ومشاهده وصوره وظلاله وموسيقاه ولمساته في الكون والنفس،والدنيا والآخرة واختيار الألفاظ والعبارات لتوقع أشد إيقاعاتها أثرا في الحس والضمير.
وهي تفتتح بسؤال موح مثير للاستهوال والاستعظام وتضخيم الحقيقة التي يختلفون عليها،وهي أمر عظيم لا خفاء فيه،ولا شبهة ويعقب على هذا بتهديدهم يوم يعلمون حقيقته: «عَمَّ يَتَساءَلُونَ؟ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ،الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ.كَلَّا سَيَعْلَمُونَ.ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ!» ..
ومن ثم يعدل السياق عن المعنى في الحديث عن هذا النبأ ويدعه لحينه،ويلفتهم إلى ما هو واقع بين أيديهم وحولهم،في ذوات أنفسهم وفي الكون حولهم من أمر عظيم،يدل على ما وراءه ويوحي بما سيتلوه: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا،وَالْجِبالَ أَوْتادًا؟ وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا؟ وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا؟ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا،وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا؟ وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا؟ وَجَعَلْنا سِراجًا وَهَّاجًا؟ وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا؟ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفافًا؟» .
ومن هذا الحشد من الحقائق والمشاهد والصور والإيقاعات يعود بهم إلى ذلك النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون،والذي هددهم به يوم يعلمون! ليقول لهم ما هو؟ وكيف يكون: «إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا.يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا.وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا.وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا» ..
ثم مشهد العذاب بكل قوته وعنفه: «إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا،لِلطَّاغِينَ مَآبًا،لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا،لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا.إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا.جَزاءً وِفاقًا.إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا،وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا،وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا.فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذابًا» ..