فهرس الكتاب

الصفحة 4605 من 4997

وقصد بعد تبين ووضوح.وليس هو خبط عشواء ولا انسياقا بغير إدراك.ومعناه أنهم وصلوا فعلا إلى الصواب حين اختاروا الإسلام ..وهو معنى دقيق وجميل ..

« وأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا» أي تقرر أمرهم وانتهى إلى أن يكونوا حطبا لجهنم،تتلظى بهم وتزداد اشتعالا،كما تتلظى النار بالحطب ..ودل هذا على أن الجن يعذبون بالنار.ومفهومه أنهم كذلك ينعمون بالجنة ..هكذا يوحي النص القرآني.

وهو الذي نستمد منه تصورنا.فليس لقائل بعد هذا أن يقول شيئا يستند فيه إلى تصور غير قرآني،عن طبيعة الجن وطبيعة النار أو طبيعة الجنة ..فسيكون ما قاله اللّه حقا بلا جدال! وما ينطبق على الجن مما بينوه لقومهم،ينطبق على الإنس وقد قاله لهم الوحي بلسان نبيهم ..

الدرس الرابع:16 - 17 اعتراف الجن بآثار الهدى النافعة وآثار الضلال المدمرة

وإلى هنا كان الوحي يحكي قول الجن بألفاظهم المباشرة عن أنفسهم ثم عدل عن هذا النسق إلى تلخيص مقالة لهم عن فعل اللّه مع الذين يستقيمون على الطريقة إليه،وذكرها بفحواها لا بألفاظها: «وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ،وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا» ..يقول اللّه - سبحانه - إنه كان من مقالة الجن عنا:ما فحواه أن الناس لو استقاموا على الطريقة،أو أن القاسطين لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم نحن ماء موفورا نغدقه عليهم،فيفيض عليهم بالرزق والرخاء .. «لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ» ..ونبتليهم أيشكرون أم يكفرون.

وهذا العدول عن حكاية قول الجن إلى ذكر فحوى قولهم في هذه النقطة،يزيد مدلولها توكيدا بنسبة الإخبار فيها والوعد إلى اللّه سبحانه.ومثل هذه اللفتات كثير في الأسلوب القرآني،لإحياء المعاني وتقويتها وزيادة الانتباه إليها.وهذه اللفتة تحتوي جملة حقائق،تدخل في تكوين عقيدة المؤمن،وتصوره عن مجريات الأمور وارتباطاتها.

والحقيقة الأولى:هي الارتباط بين استقامة الأمم والجماعات على الطريقة الواحدة الواصلة إلى اللّه،وبين إغداق الرخاء وأسبابه وأول أسبابه توافر الماء واغدوداقه.وما تزال الحياة تجري على خطوات الماء في كل بقعة.وما يزال الرخاء يتبع هذه الخطوات المباركة حتى هذا العصر الذي انتشرت فيه الصناعة،ولم تعد الزراعة هي المصدر الوحيد للرزق والرخاء.ولكن الماء هو الماء في أهميته العمرانية.

وهذا الارتباط بين الاستقامة على الطريقة وبين الرخاء والتمكين في الأرض حقيقة قائمة.وقد كان العرب في جوف الصحراء يعيشون في شظف،حتى استقاموا على الطريقة،ففتحت لهم الأرض التي يغدودق فيها الماء،وتتدفق فيها الأرزاق.ثم حادوا عن الطريقة فاستلبت منهم خيراتهم استلابا.وما يزالون في نكد وشظف،حتى يفيئوا إلى الطريقة،فيتحقق فيهم وعد اللّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت