وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تَجاثينا على الرُّكَب، وكنا كَفَرَسي رِهَان، قالوا:منا نبي يأتيه الوحي من السماء! فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه، قال:فقام عنه الأخنس وتركه" [1] ."
فهكذا كانوا يغالبون أنفسهم أن تهفو إلى هذا القرآن فتغلبهم،لولا أن يتعاهدوا وهم يحسون ما يتهدد زعامتهم،لو اطلع عليهم الناس،وهم مأخوذون شبه مسحورين! وإن في القرآن من الحق الفطري البسيط،لما يصل القلب مباشرة بالنبع الأصيل،فيصعب أن يقف لهذا النبع الفوار،وأن يصد عنه تدفق التيار.وأن فيه من مشاهد القيامة،ومن القصص،ومن مشاهد الكون الناطقة،ومن مصارع الغابرين،ومن قوة التشخيص والتمثيل،لما يهز القلوب هزا لا تملك معه قرارا.
وإن السورة الواحدة لتهز الكيان الإنساني في بعض الأحيان،وتأخذ على النفس أقطارها ما لا يأخذه جيش ذو عدة وعتاد!! فلا عجب مع ذلك أن يأمر اللّه نبيه أن لا يطيع الكافرين،وألا يتزحزح عن دعوته وأن يجاهدهم بهذا القرآن.فإنما يجاهدهم بقوة لا يقف لها كيان البشر،ولا يثبت لها جدال أو محال.
وبعد هذه اللفتة يعود إلى مشاهد الكون،فيعقب على مشهد الرياح المبشرة والماء الطهور،بمشهد البحار العذبة والملحة وما بينهما من حجاز: «وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ،وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا،وَحِجْرًا مَحْجُورًا» ..
وهو الذي ترك البحرين،الفرات العذب والملح المر،يجريان ويلتقيان،فلا يختلطان ولا يمتزجان إنما يكون بينهما برزخ وحاجز من طبيعتهما التي فطرها اللّه.فمجاري الأنهار غالبا أعلى من سطح البحر،ومن ثم فالنهر العذب هو الذي يصب في البحر الملح،ولا يقع العكس إلا شذوذا.وبهذا التقدير الدقيق لا يطغى البحر - وهو أضخم وأغزر - على النهر الذي منه الحياة للناس والأنعام والنبات.ولا يكون هذا التقدير مصادفة عابرة وهو يطرد هذا الاطراد.إنما يتم بإرادة الخالق الذي أنشأ هذا الكون لغاية تحققها نواميسه في دقة وإحكام.
وقد روعي في نواميس هذا الكون ألا تطغى مياه المحيطات الملحة لا على الأنهار ولا على اليابسة حتى في حالات المد والجزر التي تحدث من جاذبية القمر للماء الذي على سطح الأرض،ويرتفع بها الماء ارتفاعا عظيما.
يقول صاحب كتاب:الإنسان لا يقوم وحده (العلم يدعو إلى الإيمان) :
«يبعد القمر عنا مسافة مائتين وأربعين ألفا من الأميال،ويذكرنا المد الذي يحدث مرتين تذكيرا لطيفا بوجود القمر.والمد الذي يحدث بالمحيط قد يرتفع إلى ستين قدما في بعض الأماكن.بل إن قشرة
(1) - دلائل النبوة للبيهقي [2 /81] (511) و سيرة ابن هشام [1 /315] وتفسير ابن كثير - دار طيبة [3 /251] صحيح مرسل