ومهمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذن ضخمة شاقة وهو يواجه البشرية كلها وأكثرها أضله الهوى،وأبى إلا الكفر ودلائل الإيمان حاضرة .. «وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا» ..فتوزع المشقة،وتخف المهمة.ولكن اللّه اختار لها عبدا واحدا،هو خاتم الرسل وكلفه إنذار القرى جميعا،لتتوحد الرسالة الأخيرة،فلا تتفرق على ألسنة الرسل في القرى المتفرقة،وأعطاه القرآن ليجاهدهم به: «فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا» ..
وإن في هذا القرآن من القوة والسلطان،والتأثير العميق،والجاذبية التي لا تقاوم،ما كان يهز قلوبهم هزا،ويزلزل أرواحهم زلزالا شديدا فيغالبون أثره بكل وسيلة فلا يستطيعون إلى ذلك سبيلا.
ولقد كان كبراء قريش يقولون للجماهير: «لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون» ..وكانت هذه المقالة تدل على الذعر الذي تضطرب به نفوسهم ونفوس أتباعهم من تأثير هذا القرآن وهم يرون هؤلاء الأتباع كأنما يسحرون بين عشية وضحاها من تأثير الآية والآيتين،والسورة والسورتين،يتلوهما محمد ابن عبد اللّه - صلى الله عليه وسلم - فتنقاد إليه النفوس،وتهوى إليه الأفئدة.
ولم يقل رؤساء قريش لأتباعهم وأشياعهم هذه المقالة،وهم في نجوة من تأثير هذا القرآن.فلولا أنهم أحسوا في أعماقهم هزة روعتهم ما أمروا هذا الأمر،وما أشاعوا في قومهم بهذا التحذير،الذي هو أدل من كل قول على عمق التأثير!
وذكر محمد بن إسحاق، عن الزهري، في قصة أبي جهل حين جاء يستمع قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الليل، هو وأبو سفيان صَخْر بنِ حَرْب، والأخْنَس بن شِريْق، ولا يشعر واحدٌ منهم بالآخر.فاستمعوها إلى الصباح، فلما هَجَم الصبح تَفرَّقوا، فجمعتهم الطريق، فقال كل منهم للآخر:ما جاء بك؟ فذكر له ما جاء له ثم تعاهدوا ألا يعودوا، لما يخافون من علم شباب قريش بهم، لئلا يفتتنوا بمجيئهم فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ظَنًا أن صاحبيه لا يجيئان، لما تقدم من العهود، فلما أجمعوا جمعتهم الطريق، فتلاوموا، ثم تعاهدوا ألا يعودوا.فلما كانت الليلة الثالثة جاؤوا أيضا، فلما أصبحوا تعاهدوا ألا يعودوا لمثلها [ثم تفرقوا] فلما أصبح الأخنس بن شَرِيق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال:أخبرني يا أبا حَنْظَلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال:يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعتُ أشياء أعرفها وأعرف ما يُراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها.قال الأخنس:وأنا والذي حلفت به.
ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه في بيته فقال:يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال:ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف:أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا،