ونقف هنا أمام ظاهرة التناسق في عرض هذه النعم:إنزال الماء من السماء.وإخراج اللبن من بين فرث ودم.واستخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب.والعسل من بطون النحل ..إنها كلها أشربة تخرج من أجسام مخالفة لها في شكلها.ولما كان الجو جو أشربة فقد عرض من الأنعام لبنها وحده في هذا المجال تنسيقا لمفردات المشهد كله.وسنرى في الدرس التالي أنه عرض من الأنعام جلودها وأصوافها وأوبارها لأن الجو هناك كان جو أكنان وبيوت وسرابيل فناسب أن يعرض من الأنعام جانبها الذي يتناسق مع مفردات المشهد..وذلك أفق من آفاق التناسق الفني في القرآن»
ومن الأنعام والأشجار والثمار والنحل والعسل إلى لمسة أقرب إلى أعماق النفس البشرية،لأنها في صميم ذواتهم:في أعمارهم وأرزاقهم وأزواجهم وبنيهم وأحفادهم.فهم أشد حساسية بها،وأعمق تأثرا واستجابة لها:«وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ،وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا،إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ.«وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ،فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ.أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ؟ «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ