فهرس الكتاب

الصفحة 4189 من 4997

يغفل عن اللّه في عمارتها.ليعمل في الأرض وهو يتطلع إلى السماء.وليأخذ بالأسباب وهو يستيقن أنها ليست هي التي ترزقه،فرزقه مقدر في السماء،وما وعده اللّه لا بد أن يكون.

بذلك ينطلق قلبه من إسار الأسباب الظاهرة في الأرض بل يرف بأجنحة من هذه الأسباب إلى ملكوت السماوات.حين يرى في الأسباب آيات تدله على خالق الأسباب ويعيش موصولا قلبه بالسماء،وقدماه ثابتتان على الأرض.فهكذا يريد اللّه لهذا الإنسان.هكذا يريد اللّه لذلك المخلوق الذي جبله من الطين ونفخ فيه من روحه فإذا هو مفضل على كثير من العالمين.

والإيمان هو الوسيلة لتحقيق ذلك الوضع الذي يكون فيه الإنسان في أفضل حالاته.لأنه يكون حينئذ في الحالة التي أنشأه اللّه لها.فطرة اللّه التي فطر الناس عليها.قبل أن يتناولها الفساد والانحراف ..

وبعد هذه اللمسات الثلاث في الأرض والنفس والسماء.يقسم اللّه سبحانه بذاته العلية على صدق هذا الحديث كله: «فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ» ..

وكونهم ينطقون،حقيقة بين أيديهم،لا يجادلون فيها ولا يمارون،ولا يرتابون فيها ولا يخرصون ..وكذلك هذا الحديث كله.واللّه أصدق القائلين.

وقد روى الأصمعي نادرة ذكرها الزمخشري في الكشاف،ونسوقها نحن لطرافتها - في تحفظ من جانب الرواية! - قال:أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابى على قعود له فقال:من الرجل؟ قلت:من بنى أصمع.قال:من أين أقبلت؟ قلت:من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.فقال:اتل علىّ،فتلوت وَالذَّارِياتِ فلما بلغت قوله تعالى:وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ قال:حسبك،فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر،وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى،فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف،فإذا أنا بمن يهتف بى بصوت دقيق،فالتفت فإذا أنا بالأعرابى قد نحل واصفر،فسلم علىّ واستقرأ السورة،فلما بلغت الآية صاح وقال:قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا،ثم قال:وهل غير هذا؟ فقرأت:فورب السماء والأرض إنه لحق،فصاح وقال:يا سبحان اللّه،من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف،لم يصدقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين،قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه. [1] ..

وهي نادرة تصح أو لا تصح.ولكنها تذكرنا بجلال هذا القسم من اللّه سبحانه.القسم بذاته.بصفته:رب السماء والأرض.مما يزيد الحقيقة المقسم عليها جلالا.وهي حقيقة بلا قسم ولا يمين.

الدرس الخامس:24 - 37 لقطات من قصة إبراهيم ولوط

ذلك كان القطاع الأول في السورة.أما القطاع الثاني فيشمل تلك الإشارات إلى قصص إبراهيم،ولوط،وموسى،وعاد قوم هود،وثمود قوم صالح،وقوم نوح ..وهو مرتبط بما قبله،ومرتبط كذلك بما بعده في سياق السورة:«هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ؟ إِذْ دَخَلُوا

(1) - تفسير الكشاف -دار الكتاب العربي ـ بيروت [4 /400]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت