ولكن تصور الحقيقة «الفعلية» كما هي في واقعها هذا لا يمكن أن يتم في حدود المنطق الذهني. وفي شكل القضايا الذهنية والعبارة البشرية عنها .. إن نوع الحقيقة هو الذي يحدد منهج تناولها وأسلوب التعبير عنها ..وهذه الحقيقة لا يصلح لها منهج المنطق الذهني ولا القضايا الجدلية.
كذلك يحتاج تصور هذه الحقيقة كما هي في واقعها الفعلي إلى تذوق كامل في تجربة روحية وعقلية .. إن الذي تتجه فطرته إلى الإسلام يجد في صدره انشراحا له .. هو من صنع اللّه قطعا .. فالانشراح حدث لا يقع إلا بقدر من اللّه يخلقه ويبرزه. والذي تتجه فطرته إلى الضلال يجد في صدره ضيقا وتقبضا وعسرا .. هو من صنع اللّه قطعا .. لأنه حدث لا يتم وقوعه الفعلي إلا بقدر من اللّه يخلقه ويجري به كذلك .. وكلاهما من إرادة اللّه بالعبد .. ولكنها ليست إرادة القهر. إنما هي الإرادة التي أنشأت السنة الجارية النافذة من أن يبتلى هذا الخلق المسمى بالإنسان بهذا القدر من الإرادة. وأن يجري قدر اللّه بإنشاء ما يترتب على استخدامه لهذا القدر من الإرادة في الاتجاه للهدى أو للضلال.
وحين توضع قضية ذهنية في مواجهة قضية ذهنية. وحين يتم التعامل مع هذه القضايا،بدون استصحاب الملامسة الباطنية للحقيقة والتجربة الواقعية في التعامل معها،فإنه لا يمكن أبدا أن يتم تصور كامل وصحيح لهذه الحقيقة .. وهذا ما وقع في الجدل الإسلامي .. وفي غيره كذلك! إنه لا بد من منهج آخر ومن تذوق مباشر للتعامل مع هذه الحقيقة الكبيرة ..
ثم نعود إلى السياق القرآني:ثم نعود إلى السياق القرآني:إن هذه الموجة بجملتها تجيء كالتعقيب على قضية الذبائح التي سبق بيانها فترتبط هذه بتلك،حزمة واحدة في السياق،وحزمة واحدة في الشعور،وحزمة واحدة في بناء هذا الدين. فقضية الذبائح هي قضية التشريع. وقضية التشريع هي قضية الحاكمية. وقضية الحاكمية هي قضية الإيمان .. ومن هنا يكون الحديث عن الإيمان على هذا النحو في موضعه المطلوب.
ثم يجيء التعقيب الأخير في هذا المقطع يربط هذه وتلك الرباط الأخير .. فهذه وتلك صراط اللّه المستقيم. والخروج في واحدة منهما هو الخروج عن هذا الصراط المستقيم. والاستقامة عليهما معا .. العقيدة والشريعة ..هي الاستقامة على الصراط المؤدي إلى دار السلام،وولاية اللّه لعباده الذاكرين:
«وهذا صراط ربك مستقيما. قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون. لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون» ..هذا هو الصراط .. صراط ربك .. بهذه الإضافة المطمئنة الموحية بالثقة المبشرة بالنهاية .. هذه هي سنته في الهدى والضلال وتلك هي شريعته في الحل والحرمة. كلاهما سواء في ميزان اللّه،وكلاهما لحمة في سياق قرآنه.
وقد فصل اللّه آياته وبينها. ولكن الذين يتذكرون ولا ينسون ولا يغفلون هم الذين ينتفعون بهذا البيان وهذا التفصيل. فالقلب المؤمن قلب ذاكر لا يغفل. وقلب منشرح مبسوط مفتوح. وقلب حي