تناسب الجو والسياق،وتحقق الجمال الفني الصادق،الذي لا يعتمد على الخلق والتزويق،ولكن يعتمد على إبداع العرض،وقوة الحق،وجمال الأداء [1] .
وقصص الأنبياء في القرآن يمثل موكب الإيمان في طريقه الممتد الواصل الطويل.ويعرض قصة الدعوة إلى اللّه واستجابة البشرية لها جيلا بعد جيل كما يعرض طبيعة الإيمان في نفوس هذه النخبة المختارة من البشر،وطبيعة تصورهم للعلاقة بينهم وبين ربهم الذي خصهم بهذا الفضل العظيم ..وتتبع هذا الموكب الكريم في طريقه اللاحب يفيض على القلب رضى ونورا وشفافية ويشعره بنفاسة هذا العنصر العزيز - عنصر الإيمان - وأصالته في الوجود.كذلك يكشف عن حقيقة التصور الإيماني ويميزه في الحس من سائر التصورات الدخيلة ..ومن ثم كان القصص شطرا كبيرا من كتاب الدعوة الكريم.
فلننظر الآن في قصة آدم - كما جاءت هنا - في ضوء هذه الإيضاحات ..
إن السياق - فيما سبق - يستعرض موكب الحياة،وبل موكب الوجود كله.ثم يتحدث عن الأرض - في معرض آلاء اللّه على الناس - فيقرر أن اللّه خلق كل ما فيها لهم ..فهنا في هذا الجو تجيء قصة استخلاف آدم في الأرض،ومنحه مقاليدها،على عهد من اللّه وشرط،وإعطائه المعرفة التي يعالج بها هذه الخلافة.
كما أنها تمهد للحديث عن استخلاف بني إسرائيل في الأرض بعهد من اللّه ثم عزلهم عن هذه الخلافة وتسليم مقاليدها للأمة المسلمة الوافية بعهد اللّه (كما سيجيء ) فتتسق القصة مع الجو الذي تساق فيه كل الاتساق.فلنعش لحظات مع قصة البشرية الأولى وما وراءها من إيحاءات أصيلة
ها نحن أولاء - بعين البصيرة في ومضات الاستشراف - في ساحة الملأ الأعلى وها نحن أولاء نسمع ونرى قصة البشرية الأولى: «وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ:إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» ..
وإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود،زمام هذه الأرض،وتطلق فيها يده،وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين،والتحليل والتركيب،والتحوير والتبديل وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات،وكنوز وخامات،وتسخير هذا كله - بإذن اللّه - في المهمة الضخمة التي وكلها اللّه إليه.
وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة،والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الأرض من قوى وطاقات،وكنوز وخامات ووهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية.
(1) - يراجع بتوسع فصل: «القصة في القرآن» في كتاب: «التصوير الفني في القرآن» «دار الشروق» ( السيد رحمه الله )