وإذن فهنالك وحدة أو تناسق بين النواميس التي تحكم الأرض - وتحكم الكون كله - والنواميس التي تحكم هذا المخلوق وقواه وطاقاته،كي لا يقع التصادم بين هذه التصادم بين هذه النواميس وتلك وكي لا تتحطم طاقة الإنسان على صخرة الكون الضخمة!
وإذن فهي منزلة عظيمة،منزلة هذا الإنسان،في نظام الوجود على هذه الأرض الفسيحة.وهو التكريم الذي شاءه له خالقه الكريم.هذا كله بعض إيحاء التعبير العلوي الجليل: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» ..حين نتملاه اليوم بالحس اليقظ والبصيرة المفتوحة،ورؤية ما تم في الأرض على يد هذا الكائن المستخلف في هذا الملك العريض! «قالُوا:أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ،وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟» ..
ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم من شواهد الحال،أو من تجارب سابقة في الأرض،أو من إلهام البصيرة،ما يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق،أو من مقتضيات حياته على الأرض وما يجعلهم يعرفون أو يتوقعون أنه سيفسد في الأرض،وأنه سيسفك الدماء ..ثم هم - بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق،وإلا السلام الشامل - يرون التسبيح بحمد اللّه والتقديس له،هو وحده الغاية المطلقة للوجود،وهو وحده العلة الأولى للخلق ..وهو متحقق بوجودهم هم،يسبحون بحمد اللّه ويقدسون له،ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته!
لقد خفيت عليهم حكمة المشيئة العليا،في بناء هذه الأرض وعمارتها،وفي تنمية الحياة وتنويعها،وفي تحقيق إرادة الخالق وناموس الوجود في تطويرها وترقيتها وتعديلها،على يد خليفة اللّه في أرضه.هذا الذي قد يفسد أحيانا،وقد يسفك الدماء أحيانا،ليتم من وراء هذا الشر الجزئي الظاهر خير أكبر وأشمل.خير النمو الدائم،والرقي الدائم.خير الحركة الهادمة البانية.خير المحاولة التي لا تكف،والتطلع الذي لا يقف،والتغيير والتطوير في هذا الملك الكبير.
عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء،والخبير بمصائر الأمور: «قالَ:إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ»
«وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها،ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ،فَقالَ:أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.قالُوا:سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا.إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.قالَ:يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ.فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ،قالَ:أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ:إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» ..
ها نحن أولاء - بعين البصيرة في ومضات الاستشراف - نشهد ما شهده الملائكة في الملأ الأعلى ..ها نحن أولاء نشهد طرفا من ذلك السر الإلهي العظيم الذي أودعه اللّه هذا الكائن البشري،وهو يسلمه مقاليد الخلافة.سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات.سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها - وهي ألفاظ منطوقة - رموزا لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة.وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض.ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى،لو لم يوهب