فهرس الكتاب

الصفحة 2953 من 4997

الدرس الخامس:99 - 102 مشهد القيامة وتهديد الكفار بالعذاب

ثم نعود إلى سياق السورة.فنجده ي عقب على ذكر ذي القرنين للوعد الحق بمشهد من مشاهد القيامة: « وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ،وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا،الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي،وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا» .

وهو مشهد يرسم حركة الجموع البشرية من كل لون وجنس وأرض.ومن كل جيل وزمان وعصر،مبعوثين منشرين.يختلطون ويضطربون في غير نظام وفي غير انتباه،تتدافع جموعهم تدافع الموج وتختلط اختلاط الموج ..ثم إذا نفخة التجمع والنظام: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [1] فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا» فإذا هم

(1) - البوق. (السيد رحمه الله )

قلت:الصور في لغة العرب:القرن،وقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصور ففسره بما تعرفه العرب من كلامها،فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « الصُّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ » . رواه أبو داود - سنن أبى داود (4744 ) صحيح

وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ ( الصُور ) ،جمع صورة،وتأوله على أن المراد النفخ في الأجساد لتعاد إليها الأرواح . ونقل عن أبي عبيدة والكلبي أن (الصُّوْر) بسكون الواو جمع صورة،كما يقال:سور المدينة جمع سورة،والصوف جمع صوفة، وبسر جمع بسرة. وقالوا:المراد النفخ في الصور وهي الأجساد،لتعاد فيها الأرواح وما ذكروه خطأ من وجوه:

الأول:أن القراءة التي نسبت إلى الحسن البصري لا تصح نسبتها إلى الأئمة الذين يحتج بقراءتهم.

الثاني:أن ( صورة ) تجمع على ( صُوَر) ولا تجمع على ( صُوْر) كما ادعى أبو عبيدة والكلبي قال تعالى { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (3) سورة التغابن، ولم يعرف عن أحد من القراء أنه قرأها:فأحسن صُوْركم

الثالث:أن الكلمات التي ذكروها ليست بجموع وإنما هي أسماء جموع يفرق بينها وبين واحدتها بالتاء

الرابع:أن هذا القول خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة،فالذي عليه أهل السنة والجماعة أن الصور بوق ينفخ فيه.

الخامس:أن هذا القول مخالف لتفسير الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث فسره بالبوق

السادس:أن الله تعلى قال {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ } (68) سورة الزمر، فقد أخبر الحق سبحانه أنه ينفخ في الصور مرتين،ولو كان المراد بالصور النفخ في الصُوَر التي هي الأبدان لما صح أن يقال ( ثم نفخ فيه أخرى ) لأن الأجساد تنفخ فيها الأرواح عند البعث مرة واحد.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (اُشْتُهِرَ أَنَّ صَاحِب الصُّور إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام وَنَقَلَ فِيهِ الْحَلِيمِيّ الْإِجْمَاعَ وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي حَدِيث وَهْب بْن مُنَبِّه الْمَذْكُور وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد الْبَيْهَقِيِّ وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ وَكَذَا فِي حَدِيث الصُّور الطَّوِيل) فتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 359) .

وقد أخبرنا - صلى الله عليه وسلم - أن صاحب الصور مستعد دائما للنفخ فيه منذ أن خلقه الله تعالى،فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:إِنَّ طَرْفَ صَاحِبِ الصُّوَرِ مُذْ وُكِّلَ بِهِ مُسْتَعِدٌّ،يَنْظُرُ نَحْوَ الْعَرْشِ،مَخَافَةَ أَنْ يُؤْمَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ،كَأَنَّ عَيْنَيْهِ كَوْكَبَانِ دُرِّيَّانِ"رواه الحاكم في المستدرك- المستدرك للحاكم (8676) صحيح"

وفي هذا الزمان الذي اقتربت فيه الساعة،أصبح إسرافيل أكثر استعدادا وتهيؤا للنفخ في الصور،فقد روى الترمذي في سننه عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « كَيْفَ أَنْعَمُ وَقَدِ الْتَقَمَ صَاحِبُ الْقَرْنِ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ وَأَصْغَى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْمَرَ أَنْ يَنْفُخَ فَيَنْفُخَ » . قَالَ الْمُسْلِمُونَ فَكَيْفَ نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ تَوَكَّلْنَا عَلَى اللَّهِ رَبِّنَا » - سنن الترمذى (3551 ) صحيح لغيره

وتقوم الساعة يوم الجمعة،فعن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا » . رواه مسلم - صحيح مسلم (2013 ) .

وفي حديث آخر أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن الساعة تقوم يوم الجمعة،وفيها يبعث العباد أيضا،فعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ،فِيهِ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ،وَفِيهِ قُبِضَ،وَفِيهِ النَّفْخَةُ،وَفِيهِ الصَّعْقَةُ،فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ،فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ،قَالُوا:وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ ؟ فَقَالَ:إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَامَنَا. رواه ابن حبان - صحيح ابن حبان - (ج 3 / ص 191) (910) صحيح .

ولما كانت الساعة تقع في هذا اليوم فإن المخلوقات في كل يوم جمعة تكون مشفقة خائفة إلا الإنس والجن،فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ:فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مِنْ حَيْثُ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلا الْجِنَّ وَالإِنْسَ، وَفِيهَا سَاعَةٌ لا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ. - مسند أبي عوانة (2052 ) صحيح

والذي يظهر أن إسرافيل ينفخ في الصور مرتين،الأولى يحصل بها الصعق،والثانية يحصل بها البعث،قال تعالى {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ } (68) سورة الزمر.

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ هَوْلِ يَومِ القِيَامَةِ،وَمَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الأَهْوَالِ العَظِيمَةِ،والآيَاتِ والزَّلاَزِلِ،وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّ الصُّورَ (وَهُوَ قَرْنٌ إِذَا نُفِخَ فِيهِ أَحْدَثَ صَوْتًا ) يُنْفَخُ فِيهِ نَفْخَتَانِ:نَفْخَةٌ يَمُوتُ فِيهَا الخَلْقُ وَمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ مِنَ المَخْلُوقَاتِ،وَيُصْعَقُونَ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ مِنَ الصَعَقِ،ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ فَيَقُومُ الخَلْقُ مِنْ قُبُورِهِمْ أَحْيَاءَ يَنْظُرُونَ حَوْلَهُمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا عِظَامًا وَرُفَاتًا

وقد سمى القرآن النفخة الأولى بالراجفة،والنفخة الثانية بالرادفة،قال تعالى يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) [النازعات/6-7] ) .حِينَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ،فَتَرْجُفُ الأَرْضُ رَجْفَةً شَدِيدَةً تَتَحَرَّكُ مِنْهَا الجِبَالُ،وَيُسْمَعُ لَهَا صَوْتٌ شَدِيدٌ .

ثُمَّ تَتْبَعُ النَّفْخَةَ الأُوْلَى نَفْخَةٌ ثَانِيَةٌ هِيَ الرَّادِفَةُ،فَتُدَكُّ الأَرْضُ وَالجِبَالُ،وَتَنْشَقُّ السَّمَاءُ،وَتَنْتَثِرُ الكَوَاكِبُ،وَيَبْعَثُ اللهُ الخَلاَئِقَ .

وفي موضع آخر سمى الأولى بالصيحة،وصرح بالنفخ بالصور بالثانية، قال تعالى (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ(49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) [يس/49-51] ) .

وَيَرُدُّ اللهُ تََعَالَى عَلَى سُؤَالِ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئينَ بِالرُّسُلِ:إِنَّهُمْ لاَ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ نَفْخَةً وَاحِدَةً في الصُّورِ فَتَأخُذُ جَمِيعَ من فِي الأَرْضِ مِنَ الخَلاَئِقِ بَغْتَةً،وَهُمْ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ،يَتَجَادَلُونَ وَيَتَخَاصَمُونَ فِي شُؤُونِ الدُّنْيَا،فَتَصْعَقُ الخَلاَئِق جَمِيعًا . فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَعْهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ إِلَى أَحَدٍ لِيرْعَاهَا لَهُمْ ( تَوْصِيَةً ) ،إِذ لا يُمْهَلُونَ لِذَلِكَ،وَلاَ يَسْتَطِيعُ مَنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْ دَارِهِ وَأَهْلِهِ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِمْ،إِذْ تَبْغَتُ الصَّيْحَةُ الخَلاَئِقَ فَيَمُوتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَيْثُ هُوَ قَائِمٌ

ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ أُخْرَى ( هِيَ نَفْخَةُ النُّشُورِ ) ،فَتَخْرُجُ الأَمْوَاتُ مِنَ القُبُورِ أَحْيَاءً،وَيُسْرِعُونَ فِي الخُرُوجِ والمَشْيِ إِلَى المَحْشَرِ لِيَقِفُوا بَيْنَ يَدِي اللهِ تَعَالَى .

وقد جاءت الأحاديث النبوية مصرحة بالنفختين،ففي صحيح البخاري ومسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ » . قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبَيْتُ . قَالَ أَرْبَعُونَ شَهْرًا قَالَ أَبَيْتُ . قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ . قَالَ « ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً . فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَىْءٌ إِلاَّ يَبْلَى إِلاَّ عَظْمًا وَاحِدًا وَهْوَ عَجْبُ الذَّنَبِ،وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » - صحيح البخارى (4935 ) وصحيح مسلم (7603 ) ..

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( ثُمَّ يُنْفَخُ فِى الصُّورِ فَلاَ يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلاَّ أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا - قَالَ - وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ - قَالَ - فَيَصْعَقُ وَيَصْعَقُ النَّاسُ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ - أَوْ قَالَ يُنْزِلُ اللَّهُ - مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ أَوِ الظِّلُّ - نُعْمَانُ الشَّاكُّ - فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) رواه مسلم - صحيح مسلم (7568 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت