فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 4997

أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ» ..أي العين الخاصة بهم من الاثنتي عشرة عينا.وقيل لهم،على سبيل الإباحة والإنعام والتحذير من الاعتداء والإفساد: «كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ،وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» ..

الدرس الثامن:61 البنية النفسية لليهود وموقفهم من أداء أمانة التكليف

لقد كانوا بين الصحراء بجدبها وصخورها،والسماء بشواظها ورجومها.فأما الحجر فقد أنبع اللّه لهم منه الماء،وأما السماء فأنزل لهم منها المن والسلوى:عسلا وطيرا ..ولكن البنية النفسية المفككة،والجبلة الهابطة المتداعية،أبت على القوم أن يرتفعوا إلى مستوى الغاية التي من أجلها أخرجوا من مصر،ومن أجلها ضربوا في الصحراء ..لقد أخرجهم اللّه - على يدي نبيهم موسى - عليه السلام - من الذل والهوان ليورثهم الأرض المقدسة،وليرفعهم من المهانة والضعة ..وللحرية ثمن،وللعزة تكاليف،وللأمانة الكبرى التي ناطهم اللّه بها فدية.ولكنهم لا يريدون أن يؤدوا الثمن،ولا يريدون أن ينهضوا بالتكاليف،ولا يريدون أن يدفعوا الفدية.حتى بأن يتركوا مألوف حياتهم الرتيبة الهينة.حتى بأن يغيروا مألوف طعامهم وشرابهم،وأن يكيفوا أنفسهم بظروف حياتهم الجديدة،في طريقهم إلى العزة والحرية والكرامة.إنهم يريدون الأطعمة المنوعة التي ألفوها في مصر.يريدون العدس والثوم والبصل والقثاء ..وما إليها! وهذا ما يذكرهم القرآن به.وهم يدعون في المدينة دعاواهم العريضة: «وَإِذْ قُلْتُمْ:يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ،فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها.قالَ:أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ؟ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ ..وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ،وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ،ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ» ..

ولقد تلقى موسى - عليه السلام - طلبهم بالاستنكار: « أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ؟» ..أتريدون الدنية وقد أراد اللّه لكم العلية؟

«اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ» ..إما بمعنى أن ما يطلبونه هين زهيد،لا يستحق الدعاء فهو موفور في أي مصر من الأمصار،فاهبطوا أية مدينة فإنكم واجدوه فيها ..وإما بمعنى عودوا إذن إلى مصر التي أخرجتم منها ..عودوا إلى حياتكم الدارجة المألوفة.إلى حياتكم الخانعة الذليلة ..حيث تجدون العدس والبصل والثوم والقثاء! ودعوا الأمور الكبار التي ندبتم لها ..ويكون هذا من موسى - عليه السلام - تأنيبا لهم وتوبيخا ..

وأنا أرجح هذا التأويل الذي استبعده بعض المفسرين،أرجحه بسبب ما أعقبه في السياق من قوله تعالى: «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ» ..

فإن ضرب الذلة والمسكنة عليهم،وعودتهم بغضب اللّه،لم يكن - من الناحية التاريخية - في هذه المرحلة من تاريخهم إنما كان فيما بعد،بعد وقوع ما ذكرته الآية في ختامها: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ،وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت