في تعبير يلقي الهول والحسم حسب جو السورة: «فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً» ..والرابية العالية الغامرة الطامرة.لتناسب «الطاغية» التي أخذت ثمود «والعاتية» التي أخذت عادا،وتناسب جو الهول والرعب في السياق بدون تفصيل ولا تطويل!
ثم يرسم مشهد الطوفان والسفينة الجارية،مشيرا بهذا المشهد إلى مصرع قوم نوح حين كذبوا.وممتنا على البشر بنجاة أصولهم التي انبثقوا منها،ثم لم يشكروا ولم يعتبروا بتلك الآية الكبرى: «إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ،لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ» ..
ومشهد طغيان الماء ومشهد الجارية على الماء الطاغي،كلاهما يتناسق مع مشاهد السورة وظلالها.وجرس الجارية وواعية يتمشى كذلك مع إيقاع القافية.وهذه اللمسة «لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ» تلمس القلوب الخامدة والآذان البليدة،التي تكذب بعد كل ما سبق من النذر وكل ما سبق من المصائر،وكل ما سبق من الآيات،وكل ما سبق من العظات،وكل ما سبق من آلاء اللّه ونعمه على أصول هؤلاء الغافلين!
وكل هذه المشاهد المروعة الهائلة القاصمة الحاسمة تبدو ضئيلة صغيرة إلى جانب الهول الأكبر.هول الحاقة والقارعة التي يكذب بها المكذبون،وقد شهدوا مصارع المكذبين ..
إن الهول في هذه المصارع - على ضخامتها - محدود إذا قيس إلى هول القارعة المطلق من الحدود المدخر لذلك اليوم المشهود.وهنا بعد هذا التمهيد يكمل العرض،ويكشف عن الهول كأنه التكملة المدخرة للمشاهد الأولى: «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ.وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً.فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ.وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ.وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» ..
ونحن نؤمن أن هناك نفخة في الصور وهو البوق تحدث بعدها هذه الأحداث.ولا نزيد في تفصيلها شيئا.لأنها غيب.ليس عندنا من دلائله إلا مثل هذه النصوص المجملة وليس لنا مصدر آخر لتفصيل هذا الإجمال.
والتفصيل لا يزيد في حكمة النص شيئا،والجري وراءه عبث لا طائل تحته،إلا اتباع الظن المنهيّ عنه أصلا.
فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة،فتبع هذه النفخة تلك الحركة الهائلة: «وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً» ..ومشهد حمل الأرض والجبال ونفضها ودكها دكة واحدة تسوي عاليها بسافلها ..مشهد مروع حقا.هذه الأرض التي يجوس الإنسان خلالها آمنا مطمئنا،وهي تحته مستقرة مطمئنة.وهذه الجبال الراسية الوطيدة الراسخة التي تهول الإنسان بروعتها واستقرارها ..هذه مع هذه تحمل فتدك كالكرة في يد الوليد ..إنه مشهد يشعر معه الإنسان بضالته وضآلة عالمه إلى جانب هذه