القدرة القادرة،في ذلك اليوم العظيم ..فإذا وقع هذا.إذا نفخ في الصور نفخة واحدة،وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ..فهو حينئذ الأمر الذي تتحدث عنه السورة: «فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ» ..والواقعة اسم من أسمائها كالحاقة والقارعة.
فهي الواقعة لأنها لا بد واقعة.كأن طبيعتها وحقيقتها الدائمة أن تكون واقعة! وهو اسم ذو إيحاء معين وهو إيحاء مقصود في صدد الارتياب فيها والتكذيب! ولا يقتصر الهول على حمل الأرض والجبال ودكها دكة واحدة،فالسماء في هذا اليوم الهائل ليست بناجية: «وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ»
ونحن لا ندري على وجه التحقيق ما السماء المقصودة بهذا اللفظ في القرآن.ولكن هذا النص والنصوص الأخرى التي تشير إلى الأحداث الكونية في ذلك اليوم العظيم كلها تشير إلى انفراط عقد هذا الكون المنظور،واختلال روابطه وضوابطه التي تمسك به في هذا النظام البديع الدقيق،وتناثر أجزائه بعد انفلاتها من قيد الناموس ..
ولعله من المصادفات الغريبة أن يتنبأ الآن علماء الفلك بشيء يشبه هذا تكون فيه نهاية العالم،استنباطا من ملاحظتهم العلمية البحتة،وحسب القليل الذي عرفوه من طبيعة هذا الكون وقصته كما افترضوها ..
فأما نحن فنكاد نشهد هذه المشاهد المذهلة،من خلال النصوص القرآنية الجازمة وهي نصوص مجملة توحي بشيء عام ونحن نقف عند إيحاء هذه النصوص،فهي عندنا الخبر الوحيد المستيقن عن هذا الشأن،لأنها صادرة من صاحب الشأن،الذي خلق،والذي يعلم ما خلق علم اليقين.نكاد نشهد الأرض وهي تحمل بجبالها بكتلتها هذه،الضخمة بالقياس إلينا،الصغيرة كالهباءة بالقياس إلى الكون،فتدك دكة واحدة ونكاد نشهد السماء وهي مشققة واهية والكواكب وهي متناثرة منكدرة ..كل ذلك من خلال النصوص القرآنية الحية،المشخصة المشاهد بكامل قوتها كأنها حاضرة ..
ثم يغمر الجلال المشهد ويغشية،وتسكن الضجة التي تملأ الحس من النفخة والدكة والتشقق والانتثار.يسكن هذا كله ويظهر في المشهد عرش الواحد القهار: «وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها،وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» ..والملائكة على أرجاء هذه السماء المنشقة وأطرافها،والعرش فوقهم يحمله ثمانية ..ثمانية أملاك أو ثمانية صفوف منهم،أو ثمانية طبقات من طبقاتهم،أو ثمانية مما يعلم اللّه.لا ندري نحن من هم ولا ما هم.كما لا ندري نحن ما العرش؟ ولا كيف يحمل؟ ونخلص من كل هذه الغيبيات التي لا علم لنا بها،ولم يكلفنا اللّه من علمها إلا ما قص علينا.نخلص من مفردات هذه الغيبيات إلى الظل الجليل الذي تخلعه على الموقف.وهو المطلوب منا أن تستشعره ضمائرنا.وهو المقصود من ذكر هذه الأحداث ليشعر القلب البشري بالجلال والرهبة والخشوع،في ذلك اليوم العظيم،وفي ذلك الموقف الجليل: «يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ» ..