الدنيا وهو مؤد إلى الهلاك! ونحن نشهد في هذه الأرض أفرادا اليوم وشعوبا وأمما تعمل لهذه الدنيا،وتنال جزاءها فيها.ولدنياها زينة،ولدنياها انتفاخ! فلا يجوز أن نعجب ولا أن نسأل:لماذا؟ لأن هذه هي سنة اللّه في هذه الأرض: «مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ» .
ولكن التسليم بهذه السنة ونتائجها لا يجوز أن ينسينا أن هؤلاء كان يمكن أن يعملوا نفس ما عملوه - ونفوسهم تتطلع للآخرة وتراقب اللّه في الكسب والمتاع - فينالوا زينة الحياة الدنيا لا يبخسون منها شيئا،وينالوا كذلك متاع الحياة الأخرى.
إن العمل للحياة الأخرى لا يقف في سبيل العمل للحياة الدنيا.بل إنه هو هو مع الاتجاه إلى اللّه فيه.ومراقبة اللّه في العمل لا تقلل من مقداره ولا تنقص من آثاره بل تزيد وتبارك الجهد والثمر،وتجعل الكسب طيبا والمتاع به طيبا.ثم تضيف إلى متاع الدنيا متاع الآخرة.إلا أن يكون الغرض من متاع الدنيا هو الشهوات الحرام.وهذه مردية لا في الأخرى فحسب،بل كذلك في الدنيا ولو بعد حين.وهي ظاهرة في حياة الأمم وفي حياة الأفراد.وعبر التاريخ شاهدة على مصير كل أمة اتبعت الشهوات على مدار القرون.
بعد ذلك يلتفت السياق إلى موقف المشركين من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وما جاءه من الحق وإلى هذا القرآن الذي يشهد له بأنه على بينة من ربه،وأنه مرسل من عنده كما يشهد له كتاب موسى من قبله.يلتفت السياق إلى هذا الحشد من الأدلة المحيطة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبدعوته ورسالته.ذلك ليثبت بهذه الالتفاتة قلب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه.ثم ليوعد الذين يكفرون به من أحزاب المشركين بالنار وليعرضهم في مشهد من مشاهد العذاب يوم القيامة يجلله الخزي والعار جزاء العتو والاستكبار وليقرر أن هؤلاء المتبجحين بالباطل،المعاندين في الحق أعجز من أن يفلتوا من عذاب اللّه وأعجز من أن يجدوا لهم من دون اللّه أولياء .. «لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ» ..وليعقد بينهم وبين المؤمنين موازنة في صورة حسية مشهودة تصور الفارق البعيد بين الفريقين في طبيعتهما،وفي موقفهما وحالهما في الدنيا وفي الآخرة سواء:« أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ،وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ،وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً؟ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ،وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ،فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ،إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ،وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ.«وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ:هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ،أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا،وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ.أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ،وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ،يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ.ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ،وَما كانُوا يُبْصِرُونَ.أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ،وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ