فهرس الكتاب
وما تزال لهذا الدين أدوار في تاريخ البشرية يؤديها،ظاهرا بإذن اللّه على الدين كله تحقيقا لوعد اللّه،الذي لا تقف له جهود العبيد المهازيل،مهما بلغوا من القوة والكيد والتضليل!
ولقد كانت تلك الآيات حافزا للمؤمنين المخاطبين بها على حمل الأمانة التي اختارهم اللّه لها بعد أن لم يرعها اليهود والنصارى.وكانت تطمينا لقلوبهم وهم ينفذون قدر اللّه في إظهار دينه الذي أراده ليظهر،وإن هم إلا أداة.وما تزال حافزا ومطمئنا لقلوب المؤمنين الواثقين بوعد ربهم،وستظل تبعث في الأجيال القادمة مثل هذه المشاعر حتى يتحقق وعد اللّه مرة أخرى في واقع الحياة.بإذن اللّه.
وفي ظلال قصة العقيدة،وفي مواجهة وعد اللّه بالتمكين لهذا الدين الأخير،يهتف القرآن الكريم بالذين آمنوا ..من كان يواجه ذلك الخطاب ومن يأتي بعدهم من المؤمنين إلى يوم الدين ..يهتف بهم إلى أربح تجارة في الدنيا والآخرة.تجارة الإيمان باللّه والجهاد في سبيل اللّه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ.تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ.ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ،ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.وَأُخْرى تُحِبُّونَها:نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ،وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» ..
وصيغة التعبير بما فيها من فصل ووصل،واستفهام وجواب،وتقديم وتأخير،صيغة ظاهر فيها القصد إلى إقرار هذا الهتاف في القلوب بكل وسائل التأثير التعبيرية.
يبدأ بالنداء باسم الإيمان: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» ..يليه الاستفهام الموحي.فاللّه - سبحانه - هو الذي يسألهم ويشوقهم إلى الجواب: «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ؟» ..
ومن ذا الذي لا يشتاق لأن يدله اللّه على هذه التجارة؟ وهنا تنتهي هذه الآية،وتنفصل الجملتان للتشويق بانتظار الجواب المرموق.ثم يجيء الجواب وقد ترقبته القلوب والأسماع: «تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» ..وهم مؤمنون باللّه ورسوله.فتشرق قلوبهم عند سماع شطر الجواب هذا المتحقق فيهم! «وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ» ..وهو الموضوع الرئيسي الذي تعالجه السورة،يجيء في هذا الأسلوب،ويكرر هذا التكرار،ويساق في هذا السياق.فقد علم اللّه أن النفس البشرية في حاجة إلى هذا التكرار،وهذا التنويع،وهذه الموحيات،لتنهض بهذا التكليف الشاق،الضروري الذي لا مفر منه لإقامة هذا المنهج وحراسته في الأرض ...
ثم يعقب على عرض هذه التجارة التي دلهم عليها بالتحسين والتزيين: «ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ..فعلم الحقيقة يقود من يعلم إلى ذلك الخير الأكيد ..ثم يفصل هذا الخير في آية تالية