..فلقد طلبوا أن يكون لهم يوم راحة مقدس،فجعل اللّه لهم يوم السبت راحة مقدسا لا يعملون فيه للمعاش.ثم ابتلاهم بعد ذلك بالحيتان تكثر يوم السبت،وتختفي في غيره! وكان ابتلاء لم تصمد له يهود! وكيف تصمد وتدع هذا الصيد القريب يضيع؟ أتتركه وفاء بعهد واستمساكا بميثاق؟ إن هذا ليس من طبع يهود! ومن ثم اعتدوا في السبت.اعتدوا على طريقتهم الملتوية.راحوا يحوطون على الحيتان في يوم السبت،ويقطعونها عن البحر بحاجز،ولا يصيدونها! حتى إذا انقضى اليوم تقدموا وانتشلوا السمك المحجوز! «فَقُلْنا لَهُمْ:كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» ..
لقد حق عليهم جزاء النكول عن عهدهم مع اللّه،والنكوص عن مقام الإنسان ذي الإرادة.فانتكسوا بهذا إلى عالم الحيوان والبهيمة،الحيوان الذي لا إرادة له،والبهيمة التي لا ترتفع على دعوة البطون! انتكسوا بمجرد تخليهم عن الخصيصة الأولى التي تجعل من الإنسان إنسانا.خصيصة الإرادة المستعلية المستمسكة بعهد اللّه.
وليس من الضروري أن يستحيلوا قردة بأجسامهم،فقد استحالوا إليها بأرواحهم وأفكارهم،وانطباعات الشعور والتفكير تعكس على الوجوه والملامح سمات تؤثر في السحنة وتلقي ظلها العميق! ومضت هذه الحادثة عبرة رادعة للمخالفين في زمانها وفيما يليه،وموعظة نافعة للمؤمنين في جميع العصور: «فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ» ..
وفي نهاية هذا الدرس تجيء قصة «البقرة» ..تجيء مفصلة وفي صورة حكاية،لا مجرد إشارة كالذي سبق،ذلك أنها لم ترد من قبل في السور المكية،كما أنها لم ترد في موضع آخر وهي ترسم سمة اللجاجة والتعنت والتلكؤ في الاستجابة،وتمحل المعاذير،التي تتسم بها إسرائيل: « وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ:إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً.قالُوا:أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا؟ قالَ:أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ.قالُوا:ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟ قالَ:إِنَّهُ يَقُولُ:إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ،عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ،فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ.قالُوا:ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها؟ قالَ:إِنَّهُ يَقُولُ:إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ.قالُوا:ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ،إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا،وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ.قالَ:إِنَّهُ يَقُولُ:إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ،مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها.قالُوا:الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ.فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ..وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها،وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.فَقُلْنا:اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها،كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى،وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» ..
وفي هذه القصة القصيرة - كما يعرضها السياق القرآني - مجال للنظر في جوانب شتى ..جانب دلالتها على طبيعة بني إسرائيل وجبلتهم الموروثة.وجانب دلالتها على قدرة الخالق،وحقيقة البعث،وطبيعة الموت والحياة.ثم جانب الأداء الفني في عرض القصة بدءا ونهاية واتساقا مع السياق ..