إنه مشهد مصور لحالة شعورية غامرة،يرسم تأثير هذا القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه العارفة بطبيعته وقيمته بسبب ما أوتيت من العلم قبله.والعلم المقصود هو ما أنزله اللّه من الكتاب قبل القرآن،فالعلم الحق هو ما جاء من عند اللّه.
هذا المشهد الموحي للذين أوتوا العلم من قبل يعرضه السياق بعد تخيير القوم في أن يؤمنوا بهذا القرآن أو لا يؤمنوا،ثم يعقب عليه بتركهم يدعون اللّه بما شاءوا من الأسماء - وقد كانوا بسبب أوهامهم الجاهلية ينكرون تسمية اللّه بالرحمن،ويستبعدون هذا الاسم من أسماء اللّه - فكلها أسماؤه فما شاءوا منها فليدعوه بها: «قُلِ:ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ.أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى » .
وإن هي إلا سخافات الجاهلية وأوهام الوثنية التي لا تثبت للمناقشة والتعليل.
كذلك يؤمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يتوسط في صلاته بين الجهر والخفوت لما كانوا يقابلون به صلاته من استهزاء وإيذاء،أو من نفور وابتعاد ولعل الأمر كذلك لأن التوسط بين الجهر والخفاء أليق بالوقوف في حضرة اللّه: «وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا» .
وتختم السورة كما بدأت بحمد اللّه وتقرير وحدانيته بلا ولد ولا شريك،وتنزيهه عن الحاجة إلى الولي والنصير.وهو العلي الكبير.فيلخص هذا الختام محور السورة الذي دارت عليه،والذي بدأت ثم ختمت به: «وَقُلِ:الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا،وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ.وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ.وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا» ..