فهرس الكتاب

الصفحة 3383 من 4997

المستضعفون يريد اللّه أن يمن عليهم بهباته من غير تحديد وأن يجعلهم أئمة وقادة لا عبيدا ولا تابعين وأن يورثهم الأرض المباركة (التي أعطاهم إياها عند ما استحقوها بعد ذلك بالإيمان والصلاح) وأن يمكن لهم فيها فيجعلهم أقوياء راسخي الأقدام مطمئنين.وأن يحقق ما يحذره فرعون وهامان وجنودهما،وما يتخذون الحيطة دونه،وهم لا يشعرون! هكذا يعلن السياق قبل أن يأخذ في عرض القصة ذاتها.يعلن واقع الحال،وما هو مقدر في المآل.ليقف القوتين وجها لوجه:قوة فرعون المنتفشة المنتفخة التي تبدو للناس قادرة على الكثير.وقوة اللّه الحقيقة الهائلة التي تتهاوى دونها القوى الظاهرية الهزيلة التي ترهب الناس!

ويرسم بهذا الإعلان مسرح القصة قبل أن يبدأ في عرضها.والقلوب معلقة بأحداثها ومجرياتها،وما ستنتهي إليه،وكيف تصل إلى تلك النهاية التي أعلنها قبل البدء في عرضها.

ومن ثم تنبض القصة بالحياة وكأنها تعرض لأول مرة،على أنها رواية معروضة الفصول،لا حكاية غبرت في التاريخ.هذه ميزة طريقة الأداء القرآنية بوجه عام.

الدرس الثاني:7 - 13 حفظ الله لموسى الرضيع وإعادته إلى أمه

ثم تبدأ القصة.ويبدأ التحدي وتنكشف يد القدرة تعمل سافرة بلا ستار:

لقد ولد موسى في ظل تلك الأوضاع القاسية التي رسمها قبل البدء في القصة ولد والخطر محدق به،والموت يتلفت عليه،والشفرة مشرعة على عنقه،تهم أن تحتز رأسه ..

وها هي ذي أمه حائرة به،خائفة عليه،تخشى أن يصل نبؤه إلى الجلادين،وترجف أن تتناول عنقه السكين.ها هي ذي بطفلها الصغير في قلب المخافة،عاجزة عن حمايته،عاجزة عن إخفائه،عاجزة عن حجز صوته الفطري أن ينم عليه عاجزة عن تلقينه حيلة أو وسيلة ..ها هي ذي وحدها ضعيفة عاجزة مسكينة.هنا تتدخل يد القدرة،فتتصل بالأم الوجلة القلقة المذعورة،وتلقي في روعها كيف تعمل،وتوحي إليها بالتصرف: «وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ،فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ،وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي» ..يا للّه! يا للقدرة! يا أم موسى أرضعيه.فإذا خفت عليه وهو في حضنك.وهو في رعايتك.إذا خفت عليه وفي فمه ثديك،وهو تحت عينيك.إذا خفت عليه «فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ» !! «وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي» إنه هنا ..في اليم ..في رعاية اليد التي لا أمن إلا في جوارها،اليد التي لا خوف معها.اليد التي لا تقرب المخاوف من حماها.اليد التي تجعل النار بردا وسلاما،وتجعل البحر ملجأ ومناما.اليد التي لا يجرؤ فرعون الطاغية الجبار ولا جبابرة الأرض جميعا أن يدنوا من حماها الآمن العزيز الجناب. «إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ» ..فلا خوف على حياته ولا حزن على بعده .. «وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ» ..وتلك بشارة الغد،ووعد اللّه أصدق القائلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت