تراها العيون،وهي تشوي البطون والجلود! ولقد فعلت هذه النصوص القرآنية،بإيحاءاتها العنيفة العميقة فعلها في نفوس المسلمين.خلصتها من رواسب الجاهلية.هزتها هزة عنيفة ألقت عنها هذه الرواسب.وأشاعت فيها الخوف والتحرج والتقوى والحذر من المساس - أي مساس - بأموال اليتامى ..كانوا يرون فيها النار التي حدثهم اللّه عنها في هذه النصوص القوية العميقة الإيحاء.فعادوا يجفلون أن يمسوها ويبالغون في هذا الإجفال!
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) وَ (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) الآيَةَ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِنْ طَعَامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِ [1] ...
وكذلك رفع المنهج القرآني هذه الضمائر،إلى ذلك الأفق الوضيء وطهرها من غبش الجاهلية ذلك التطهير العجيب ..
والآن نجيء إلى نظام التوارث.حيث يبدأ بوصية اللّه للوالدين في أولادهم فتدل هذه الوصية على أنه - سبحانه - أرحم وأبر وأعدل من الوالدين مع أولادهم كما تدل على أن هذا النظام كله مرده إلى اللّه سبحانه فهو الذي يحكم بين الوالدين وأولادهم،وبين الأقرباء وأقاربهم.وليس لهم إلا أن يتلقوا منه سبحانه،وأن ينفذوا وصيته وحكمه ..وأن هذا هو معنى «الدين» الذي تعنى السورة كلها ببيانه وتحديده كما أسلفنا ..كذلك يبدأ بتقرير المبدأ العام للتوارث: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» ..
ثم يأخذ في التفريع،وتوزيع الأنصبة،في ظل تلك الحقيقة الكلية،وفي ظل هذا المبدأ العام ..ويستغرق هذا التفصيل آيتين:أولاهما خاصة بالورثة من الأصول والفروع،والثانية خاصة بحالات الزوجية والكلالة.ثم تجيء بقية أحكام الوراثة في آخر آية في السورة استكمالا لبعض حالات الكلالة (وسنعرضها في موضعها) :«يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ:لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ.وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ.وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ - إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ،وَوَرِثَهُ أَبَواهُ،فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ.فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ - مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ - آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا.فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ..وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ - إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ - فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ
(1) - سنن أبي داود - المكنز [3 /73] ( 2873 ) حسن