الْحَقُّ،وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ،وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» ..ذلك ..ذلك النظام الكوني الثابت الدائم المنسق الدقيق ..ذلك النظام قائم بأن اللّه هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل.قائم بهذه الحقيقة الكبرى التي تعتمد عليها كل حقيقة،والتي يقوم بها هذا الوجود.فكون اللّه هو الحق.سبحانه.هو الذي يقيم هذا الكون،وهو الذي يحفظه،وهو الذي يدبره،وهو الذي يضمن له الثبات والاستقرار والتماسك والتناسق،ما شاء اللّه له أن يكون ..
«ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ» ..كل شيء غيره يتبدل.وكل شيء غيره يتحول.وكل شيء غيره تلحقه الزيادة والنقصان،وتتعاوره القوة والضعف،والازدهار والذبول،والإقبال والإدبار.وكل شيء غيره يوجد بعد أن لم يكن،ويزول بعد أن يكون.وهو وحده - سبحانه - الدائم الباقي الذي لا يتغير ولا يتبدل ولا يحول ولا يزول ..ثم تبقى في النفس بقية من قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ» ..بقية لا تنقلها الألفاظ ولا يستقل بها التعبير البشري الذي أملك.بقية يتمثلها القلب ويستشعرها الضمير ويحسها الكيان الإنساني كله ويقصر عنها التعبير! ..وكذلك: «وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» ..الذي ليس غيره «علي» ولا «كبير» !!! ترى قلت شيئا يفصح عما يخالج كياني كله أمام التعبير القرآني العجيب؟ أحس أن كل تعبير بشري عن مثل هذه الحقائق العليا ينقص منها ولا يزيد وأن التعبير القرآني - كما هو - هو وحده التعبير الموحي الفريد!!!
ويعقب السياق على ذلك المشهد الكوني،وهذه اللمسة الوجدانية،بمشهد آخر من مألوف حياة البشر.مشهد الفلك تجري في البحر بفضل اللّه.ويقفهم في هذا المشهد أمام منطق الفطرة حين تواجه هول البحر وخطره،مجردة من القوة والبأس والبطر والغرور: « أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ؟ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ.وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ،فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ،وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ» .
والفلك تجري في البحر وفق النواميس التي أودعها اللّه البحر والفلك والريح والأرض والسماء.فخلقة هذه الخلائق بخواصها هذه هي التي جعلت الفلك تجري في البحر ولا تغطس أو تقف.ولو اختلت تلك الخواص أي اختلال ما جرت الفلك في البحر.لو اختلت كثافة الماء أو كثافة مادة الفلك.لو اختلت نسبة ضغط الهواء على سطح البحر.لو اختلت التيارات المائية والهوائية.لو اختلت درجة الحرارة عن الحد الذي يبقي الماء ماء،ويبقي تيارات الماء والهواء في الحدود المناسبة ..لو اختلت نسبة واحدة أي اختلال ما جرت الفلك في الماء،وبعد ذلك كله يبقى أن اللّه هو حارس الفلك وحاميها فوق ثبج الأمواج وسط العواصف والأنواء،حيث لا عاصم لها إلا اللّه.فهي تجري بنعمة اللّه وفضله على كل حال.ثم هي تجري حاملة نعمة اللّه وفضله كذلك.والتعبير يشمل هذا المعنى وذاك: «لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ» ..وهي معروضة للرؤية،يراها من يريد أن يرى وليس بها من غموض ولا خفاء ..«إِنَّ فِي