هو التصور الكفيل بضم المؤمنين جميعا في موكب واحد،يقف أمام صفوف الكفر،وفي حزب واحد يقف أمام أحزاب الشيطان ..ولكن هذا الصف الواحد ليس هو صف أصحاب الاعتقادات المحرفة - ولو كان لها أصل سماوي - إنما هو صف أصحاب الإيمان الصحيح والعقيدة التي لم يدخلها انحراف ..
ومن ثم كان «الإسلام» هو «الدين» .وكان «المسلمون» «خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» المسلمون المعتقدون عقيدة صحيحة،العاملون بهذه العقيدة.لا كل من ولد في بيت مسلم،ولا كل من لاك لسانه كلمة الإسلام! وفي ظل هذا البيان يبدو الذين يفرقون بين اللّه ورسله،ويفرقون بين بعض الرسل وبعض،منقطعين عن موكب الإيمان،مفرقين للوحدة التي جمعها اللّه،منكرين للوحدانية التي يقوم عليها الإيمان باللّه.
وبعد تركيز تلك القاعدة الأساسية في التصور الإسلامي عن حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر،فيما يتعلق بالرسل والرسالات ..يأخذ في استعراض بعض مواقف اليهود في هذا المجال،وفي مجال الجهر بالسوء الذي بدئ به هذا الدرس،منددا بموقفهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - ورسالته،وتعنتهم في طلب الآيات والأمارات منه،ويقرن بين موقفهم هذا وما كان لهم من مواقف مع نبيهم موسى - عليه السلام - ثم مع رسول اللّه من بعده عيسى - عليه السلام - وأمه مريم،فإذا هم جبلة واحدة في أجيالهم المتتابعة ..والسياق يوحد بين الجيل الذي يواجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ،والجيل الذي واجه عيسى عليه السلام ..والجيل الذي واجه موسى كذلك من قبل،ليؤكد هذا المعنى،ويكشف عن هذه الجبلة: « يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ ..فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ،فَقالُوا:أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً! فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ،ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ،وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا.وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُلْنا لَهُمْ:لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا.فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ،وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ،وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ،وَقَوْلِهِمْ:قُلُوبُنا غُلْفٌ - بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا - وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا.وَقَوْلِهِمْ:إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ! وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ،ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ،إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ،وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا،بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ،وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا - فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ،وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا،وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا - وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ - وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ،وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا» ..