فهرس الكتاب

الصفحة 1163 من 4997

لقد وقف اليهود في الجزيرة من الإسلام ونبي الإسلام ذلك الموقف العدائي المتعنت المكشوف،وكادوا له ذلك الكيد المبيت المستمر العنيد،الذي وصفه القرآن تفصيلا،واستعرضنا ألوانا منه في سورتي البقرة وآل عمران،وفي هذه السورة كذلك من قبل - في الجزء الخامس - وهذا الذي تقصه الآيات هنا لون آخر.

إنهم يتعنتون فيطلبون إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم بكتاب من السماء ..كتاب مخطوط ينزله عليهم من السماء مجسما يلمسونه بأيديهم: «ييَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ» :ويتولى اللّه - سبحانه - الإجابة عن نبيه.ويقص عليه وعلى الجماعة المسلمة - في مواجهة اليهود - صفحة من تاريخهم مع نبيهم وقائدهم ومنقذهم موسى - عليه السلام - الذي يزعمون أنهم يؤمنون به ويرفضون التصديق بعيسى من بعده وبمحمد! إن هذه الجبلة ليست جديدة عليهم وليست طابع هذا الجيل وحده منهم،إنما هي جبلتهم من قديم.

إنهم هم هم من عهد موسى - نبيهم وقائدهم ومنقذهم - إنهم هم هم غلظ حس فلا يدركون إلا المحسوسات ..

وهم هم تعنتا وإعناتا فلا يسلمون إلا تحت القهر والضغط ..وهم هم كفرا وغدرا فسرعان ما ينقلبون فينقضون عهدهم - لا مع الناس وحدهم ولكن مع ربهم كذلك - وهم هم قحة وافتراء فلا يعنيهم أن يتثبتوا من قول ولا يتورعون كذلك عن الجهر بالنكر ..وهم هم طمعا في عرض الدنيا وأكلا لأموال الناس بالباطل وإعراضا عن أمر اللّه وعما عنده من ثواب ..

إنها حملة تفضحهم وتكشفهم وتدل قوتها وتنوع اتجاهاتها،على ما كان يقتضيه الموقف لمواجهة خبث الكيد اليهودي للإسلام ونبي الإسلام في ذلك الأوان ..وهو هو خبث الكيد الذي ما يزالون يزاولونه ضد هذا الدين وأهله حتى الآن. « يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ» ...

فلا عليك من هذا التعنت ولا غرابة فيه ولا عجب منه: «فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا:أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً» .ولم تبلغ الآيات البينات التي أظهرها اللّه لهم على يد موسى نبيهم أن تلمس حسهم وتوقظ وجدانهم وتقود قلوبهم إلى الطمأنينة والاستسلام فإذا هم يطلبون رؤية اللّه - سبحانه - عيانا! وهو مطلب طابعه التبجح الذي لا يصدر عن طبع خالطته بشاشة الإيمان أو فيه استعداد للإيمان. «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ» ..

ولكن اللّه - سبحانه - عفا عنهم وتقبل فيهم دعاء موسى عليه السلام وضراعته إلى ربه كما ورد في السورة الأخرى «فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ،قالَ:رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ.أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا؟ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ.أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ.وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ.إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ ...» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت