فهرس الكتاب

الصفحة 3528 من 4997

وبمناسبة البعث الذي يعترضون عليه والرجعة التي يشكون فيها،يقفهم وجها لوجه أمام مشهد من مشاهد القيامة مشهد حي شاخص حافل بالتأثرات والحركات والحوار كأنه واقع مشهود: « وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا،فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا،إِنَّا مُوقِنُونَ - وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها،وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ - فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا،إِنَّا نَسِيناكُمْ،وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ..

إنه مشهد الخزي والاعتراف بالخطيئة،والإقرار بالحق الذي جحدوه،وإعلان اليقين بما شكوا فيه،وطلب العودة إلى الأرض لإصلاح ما فات في الحياة الأولى ..وهم ناكسو رؤوسهم خجلا وخزيا .. «عِنْدَ رَبِّهِمْ» ..الذي كانوا يكفرون بلقائه في الدنيا ..ولكن هذا كله يجيء بعد فوات الأوان حيث لا يجدي اعتراف ولا إعلان.

وقبل أن يعلن السياق جواب استخذائهم الذليل،يقرر الحقيقة التي تتحكم في الموقف كله وتتحكم قبل ذلك في حياة الناس ومصائرهم: «وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها.وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ..ولو شاء اللّه لجعل لجميع النفوس طريقا واحدا.هو طريق الهدى،كما وحد طريق المخلوقات التي تهتدي بإلهام كامن في فطرتها،وتسلك طريقة واحدة في حياتها من الحشرات والطير والدواب أو الخلائق التي لا تعرف إلا الطاعات كالملائكة.لكن إرادة اللّه اقتضت أن يكون لهذا الخلق المسمى بالإنسان طبيعة خاصة،يملك معها الهدى والضلال ويختار الهداية أو يحيد عنها ويؤدي دوره في هذا الكون بهذه الطبيعة الخاصة،التي فطره اللّه عليها لغرض ولحكمة في تصميم هذا الوجود.ومن ثم كتب اللّه في قدره أن يملأ جهنم من الجنة ومن الناس الذين يختارون الضلالة،ويسلكون الطريق المؤدي إلى جهنم.

وهؤلاء المجرمون المعروضون على ربهم وهم ناكسو رؤوسهم.هؤلاء ممن حق عليهم هذا القول.ومن ثم يقال لهم: «فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا» ..يومكم هذا الحاضر.فنحن في المشهد في اليوم الآخر ..ذوقوا بسبب نسيانكم لقاء هذا اليوم،وإهمالكم الاستعداد له وأنتم في فسحة من الوقت.ذوقوا «إِنَّا نَسِيناكُمْ» ..واللّه لا ينسى أحدا.ولكنهم يعاملون معاملة المهملين المنسيين،معاملة فيها مهانة وفيها إهمال وفيها ازدراء. «وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ..

الدرس الخامس:15-17 من صفات المؤمنين وجزاؤهم يوم القيامة

ويسدل الستار على المشهد.وقد قيلت الكلمة الفاصلة فيه.وترك المجرمون لمصيرهم المهين.ويحس قارئ القرآن وهو يجاوز هذه الآيات كأنه تركهم هناك،وكأنهم شاخصون حيث تركهم! وهذه إحدى خصائص التصوير القرآني المحيي للمشاهد الموحي للقلوب.

يسدل الستار على ذلك المشهد ليرفعه عن مشهد آخر،في ظل آخر،له عطر آخر تستروح له الأرواح وتخفق له القلوب.إنه مشهد المؤمنين.مشهدهم خاشعين مخبتين عابدين،داعين إلى ربهم وقلوبهم راجفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت