والأشقى في الآخرة بعذابها الذي لا يعرف له مدى: «الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى .ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى » ..والنار الكبرى هي نار جهنم.الكبرى بشدتها،والكبرى بمدتها،والكبرى بضخامتها ..حيث يمتد بقاؤه فيها ويطول.فلا هو يموت فيجد طعم الراحة ولا هو يحيا في أمن وراحة.إنما هو العذاب الخالد،الذي يتطلع صاحبه إلى الموت كما يتطلع إلى الأمنية الكبرى! وفي الصفحة المقابلة نجد النجاة والفلاح مع التطهر والتذكر.
«قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى.وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى» ..والتزكي:التطهر من كل رجس ودنس،واللّه - سبحانه - يقرر أن هذا الذي تطهر وذكر اسم ربه،فاستحضر في قلبه جلاله: «فَصَلَّى» ..إما بمعنى خشع وقنت.وإما بمعنى الصلاة الاصطلاحي،فكلاهما يمكن أن ينشأ من التذكر واستحضار جلال اللّه في القلب،والشعور بمهابته في الضمير ..هذا الذي تطهر وذكر وصلى «قَدْ أَفْلَحَ» يقينا.أفلح في دنياه،فعاش موصولا،حي القلب،شاعرا بحلاوة الذكر وإيناسه.وأفلح في أخراه،فنجا من النار الكبرى،وفاز بالنعيم والرضى ..فأين عاقبة من عاقبة؟ وأين مصير من مصير؟
وفي ظل هذا المشهد.مشهد النار الكبرى للأشقى.والنجاة والفلاح لمن تزكى،يعود بالمخاطبين إلى علة شقائهم،ومنشأ غفلتهم،وما يصرفهم عن التذكر والتطهر والنجاة والفلاح،ويذهب بهم إلى النار الكبرى والشقوة العظمى: «بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا.وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى » ..
إن إيثار الحياة الدنيا هو أساس كل بلوى.فعن هذا الإيثار ينشأ الإعراض عن الذكرى لأنها تقتضيهم أن يحسبوا حساب الآخرة ويؤثروها.وهم يريدون الدنيا،ويؤثرونها ..
وتسميتها «الدُّنْيا» لا تجيء مصادفة.فهي الواطية الهابطة - إلى جانب أنها الدانية:العاجلة: «وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى » ..خير في نوعها،وأبقى في أمدها.
الدرس الخامس:18 - 19 عراقة الدعوة ووحدة الرسالة
وفي ظل هذه الحقيقة يبدو إيثار الدنيا على الآخرة حماقة وسوء تقدير.لا يقدم عليهما عاقل بصير.
وفي الختام تجيء الإشارة إلى قدم هذه الدعوة،وعراقة منبتها،وامتداد جذورها في شعاب الزمن،وتوحد أصولها من وراء الزمان والمكان: «إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى » [1] . ..
(1) - عَنْ وَاثِلَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - , قَالَ:"نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ, وَأُنْزِلَتِ التَّوْارَةُ لَسْتٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ, وَأُنْزِلَ الإِنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ, وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ, وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ لأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ".تفسير ابن أبي حاتم [10 /1] (14912) صحيح
وعَنْ دَاوُدَ بْنِ هِلالٍ ؛ قَالَ:قَرَأْتُ فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ [ - صلى الله عليه وسلم - ] :طُوبَى لِلأَبْرَارِ الَّذِينَ أَطْلَعُونِي مِنْ قُلُوبِهِمْ عَلَى الرِّضَا،وَأَطْلَعُونِي مِنْ ضَمِيرِهِمْ عَلَى الصِّدْقِ وَالاسْتِقَامَةِ،طُوبَى لَهُمْ مَا لَهُمْ عِنْدِي مِنَ الْجَزَاءِ إِذَا وُفِدُوا إِلَيَّ مِنْ قُبُورِهِمْ وَالنُّورُ يَسْعَى أَمَامَهُمْ،وَالْمَلائِكَةُ حَافُّونَ بِهِمْ،حَتَّى أَبْلُغَ بِهِمْ مَا يَرْجُونَ مِنْ رَحْمَتِي .المجالسة وجواهر العلم [5 /281] (2129 )
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ،قَالَ:دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ،فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، جَالِسٌ وَحْدَهُ،قَالَ:يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً،وَإِنَّ تَحِيَّتَهُ رَكْعَتَانِ،فَقُمْ فَارْكَعْهُمَا،قَالَ:فَقُمْتُ فَرَكَعْتُهُمَا،ثُمَّ عُدْتُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ،فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِالصَّلاَةِ،فَمَا الصَّلاَةُ ؟ قَالَ:خَيْرُ مَوْضُوعٍ،اسْتَكْثِرْ أَوِ اسْتَقِلَّ،قَالَ:قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ:إِيمَانٌ بِاللَّهِ،وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ،قَالَ:قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمَانًا ؟ قَالَ:أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَسْلَمُ ؟ قَالَ:مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ،قَالَ:قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،فَأَيُّ الصَّلاَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ:طُولُ الْقُنُوتِ،قَالَ:قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ:مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ،قَالَ:قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،فَمَا الصِّيَامُ ؟ قَالَ:فَرْضٌ مُجْزِئٌ،وَعِنْدَ اللهِ أَضْعَافٌ كَثِيرَةٌ،قَالَ:قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ:مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ،وَأُهْرِيقَ دَمُهُ،قَالَ:قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ:جَهْدُ الْمُقِلِّ يُسَرُّ إِلَى فَقِيرٍ قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،فَأَيُّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ:آيَةُ الْكُرْسِيِّ ثُمَّ،قَالَ:يَا أَبَا ذَرٍّ،مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلاَّ كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلاَةٍ وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلاَةِ عَلَى الْحَلْقَةِ،قَالَ:قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،كَمِ الأَنْبِيَاءُ ؟ قَالَ:مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،كَمِ الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ:ثَلاَثُ مِائَةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا،قَالَ:قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،مَنْ كَانَ أَوَّلُهُمْ ؟ قَالَ:آدَمُ قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،أَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ ؟ قَالَ:نَعَمْ،خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ،وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ،وَكَلَّمَهُ قِبَلًا ثُمَّ،قَالَ:يَا أَبَا ذَرٍّ أَرْبَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ:آدَمُ،وَشِيثُ،وَأَخْنُوخُ وَهُوَ إِدْرِيسُ،وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ،وَنُوحٌ وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ:هُودٌ،وَشُعَيْبٌ،وَصَالِحٌ،وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ ؟ قَالَ:مِائَةُ كِتَابٍ،وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ،أُنْزِلَ عَلَى شِيثٍ خَمْسُونَ صَحِيفَةً،وَأُنْزِلَ عَلَى أَخْنُوخَ ثَلاَثُونَ صَحِيفَةً،وَأُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشَرُ صَحَائِفَ،وَأُنْزِلَ عَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشَرُ صَحَائِفَ،وَأُنْزِلَ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْقُرْآنُ،قَالَ:قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،مَا كَانَتْ صَحِيفَةُ إِبْرَاهِيمَ ؟ قَالَ:كَانَتْ أَمْثَالًا كُلُّهَا:أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ،إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ،وَلَكِنِّي بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ،فَإِنِّي لاَ أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ،وَعَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ:سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ،وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ،وَسَاعَةٌ يَتَفَكَّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ اللهِ،وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ،وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لاَ يَكُونَ ظَاعِنًا إِلاَّ لِثَلاَثٍ:تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ،أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ،أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ،وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ،مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ،حَافِظًا لِلِسَانِهِ،وَمَنْ حَسَبَ كَلاَمَهُ مِنْ عَمَلِهِ،قَلَّ كَلاَمُهُ إِلاَّ فِيمَا يَعْنِيهِ قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،فَمَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى ؟ قَالَ:كَانَتْ عِبَرًا كُلُّهَا:عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ،ثُمَّ هُوَ يَفْرَحُ،وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ،ثُمَّ هُوَ يَضْحَكُ،وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ ثُمَّ هُوَ يَنْصَبُ،عَجِبْتُ لِمَنْ رَأَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا،ثُمَّ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا،وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ غَدًا ثُمَّ لاَ يَعْمَلُ قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،أَوْصِنِي،قَالَ:أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ،فَإِنَّهُ رَأْسُ الأَمْرِ كُلِّهِ ،قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،زِدْنِي،قَالَ:عَلَيْكَ بِتِلاَوَةِ الْقُرْآنِ،وَذِكْرِ اللهِ،فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الأَرْضِ،وَذُخْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،زِدْنِي:قَالَ:إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ،فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ،وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،زِدْنِي،قَالَ:عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ إِلاَّ مِنْ خَيْرٍ،فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ عَنْكَ،وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،زِدْنِي،قَالَ:عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ،فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،زِدْنِي،قَالَ:أَحِبَّ الْمَسَاكِينَ وَجَالِسْهُمْ قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي،قَالَ:انْظُرْ إِلَى مَنْ تَحْتَكَ وَلاَ تَنْظُرْ إِلَى مَنْ فَوْقَكَ،فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تُزْدَرَى نِعْمَةُ اللهِ عِنْدَكَ قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي،قَالَ:قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي،قَالَ:لِيَرُدَّكَ عَنِ النَّاسِ مَا تَعْرِفُ مِنْ نَفْسِكَ وَلاَ تَجِدْ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَأْتِي،وَكَفَى بِكَ عَيْبًا أَنْ تَعْرِفَ مِنَ النَّاسِ مَا تَجْهَلُ مِنْ نَفْسِكَ،أَوْ تَجِدَ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَأْتِي ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِي،فقَالَ:يَا أَبَا ذَرٍّ لاَ عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ،وَلاَ وَرَعَ كَالْكَفِّ،وَلاَ حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ".صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [2 /76] (361) وابن ماجة (4218) حسن لغيره"