ومن قبل قرر هذه القاعدة في العقاب ردا على قولهم: «لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً» ..فقال: «بَلى ! مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» ..
إنها قاعدة واحدة بطرفيها في العقوبة والمثوبة.طرفيها المتقابلين: «مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ» ..
فهو حبيس هذه الخطيئة المحيطة،في معزل عن كل شيء وعن كل شعور وعن كل وجهة إلا وجهة الخطيئة ..
و «مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ» ..فأخلص ذاته كلها للّه،ووجه مشاعره كلها إليه،وخلص للّه في مقابل خلوص الآخر للخطيئة .. «مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ» ..هنا تبرز سمة الإسلام الأولى:إسلام الوجه - والوجه رمز على الكل - ولفظ أسلم يعني الاستسلام والتسليم.الاستسلام المعنوي والتسليم العملي.ومع هذا فلا بد من الدليل الظاهر على هذا الاستسلام: «وَهُوَ مُحْسِنٌ» ..فسمة الإسلام هي الوحدة بين الشعور والسلوك،بين العقيدة والعمل،بين الإيمان القلبي والإحسان العملي ..بذلك تستحيل العقيدة منهجا للحياة كلها وبذلك تتوحد الشخصية الإنسانية بكل نشاطها واتجاهاتها وبذلك يستحق المؤمن هذا العطاء كله: «فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» ..
الأجر المضمون لا يضيع عند ربهم ..والأمن الموفور لا يساوره خوف،والسرور الفائض لا يمسه حزن ..وتلك هي القاعدة العامة التي يستوي عندها الناس جميعا.فلا محسوبية عند اللّه سبحانه ولا محاباة!
ولقد كانوا - يهودا ونصارى - يطلقون تلك الدعوى العريضة،بينما يقول كل منهما عن الفريق الآخر إنه ليس على شيء وبينما كان المشركون يجبهون الفريقين بالقولة ذاتها: «وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شيء،وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ - وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ - كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ،فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» ..
والذين لا يعلمون هم الأميون العرب الذين لم يكن لهم كتاب وكانوا يرون ما عليه اليهود والنصارى من الفرقة ومن التقاذف بالاتهام،ومن التمسك بخرافات وأساطير لا ترتفع كثيرا على خرافات العرب وأساطير هم في الشرك ونسبة الأبناء - أو البنات - للّه سبحانه فكانوا يزهدون في دين اليهود ودين النصارى ويقولون:إنهم ليسوا على شيء ! والقرآن يسجل على الجميع ما يقوله بعضهم في بعض عقب تفنيد دعوى اليهود والنصارى في ملكية الجنة! ثم يدع أمر الخلاف بينهم إلى اللّه: «فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» .فهو الحكم العدل،وإليه تصير الأمور ..وهذه الإحالة إلى حكم اللّه هي وحدها المجدية في مواجهة قوم لا يستمدون من منطق،ولا يعتمدون على دليل،بعد دحض دعواهم العريضة في أنهم وحدهم أهل الجنة،وأنهم وحدهم المهديون!