ثم يعود إلى ترذيل محاولتهم تشكيك المسلمين في صحة الأوامر والتبليغات النبوية - وبخاصة ما يتعلق منها بتحويل القبلة - وبعدها سعيا في منع ذكر اللّه في مساجده،وعملا على خرابها: « وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها؟ أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ.لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ.وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ،إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ» ..
وأقرب ما يتوارد إلى الخاطر أن هاتين الآيتين تتعلقان بمسألة تحويل القبلة وسعي اليهود لصد المسلمين عن التوجه إلى الكعبة ..أول بيت وضع للناس وأول قبلة ..وهناك روايات متعددة عن أسباب نزولهما غير هذا الوجه ..
وعلى أية حال فإن إطلاق النص يوحي بأنه حكم عام في منع مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه،والسعي في خرابها.كذلك الحكم الذي يرتبه على هذه الفعلة،ويقرر أنه هو وحده الذي يليق أن يكون جزاء لفاعليها.
وهو قوله: «أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ» ..
أي أنهم يستحقون الدفع والمطاردة والحرمان من الأمن،إلا أن يلجأوا إلى بيوت اللّه مستجيرين محتمين بحرمتها مستأمنين،عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ الظَّهْرَانِ قَالَ الْعَبَّاسُ قُلْتُ وَاللَّهِ لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ عَنْوَةً قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُ فَيَسْتَأْمِنُوهُ إِنَّهُ لَهَلاَكُ قُرَيْشٍ فَجَلَسْتُ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ لَعَلِّى أَجِدُ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِى أَهْلَ مَكَّةَ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِيَخْرُجُوا إِلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ وَإِنِّى لأَسِيرُ سَمِعْتُ كَلاَمَ أَبِى سُفْيَانَ وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ فَقُلْتُ:يَا أَبَا حَنْظَلَةَ فَعَرِفَ صَوْتِى قَالَ أَبُو الْفَضْلِ؟ قُلْتُ:نَعَمْ. قَالَ:مَا لَكَ فِدَاكَ أَبِى وَأُمِّى؟ قُلْتُ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالنَّاسُ. قَالَ:فَمَا الْحِيلَةُ؟ قَالَ:فَرَكِبَ خَلْفِى وَرَجَعَ صَاحِبُهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَوْتُ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَسْلَمَ. قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرَ فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا. قَالَ: « نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِى سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ » . قَالَ:فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ." [1] ."
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَالَ:ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بن حُصَيْنٍ الْغِفَارِيَّ،وَخَرَجَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ،فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْكَدِيدِ مَا بَيْنَ عُسْفَانَ وَأَمَجَ أَفْطَرَ،ثُمَّ مَضَى حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مُزَيْنَةَ وَسُلَيْمٍ،وَفِي كُلِّ الْقَبَائِلِ عَدَدٌ وَإِسْلامٌ،وَأَوْعَبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ،فَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ أَحَدٌ،فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَرِّ الظَّهْرَانِ،وَقَدْ عَمِيَتِ الأَخْبَارُ عَنْ قُرَيْشٍ،فَلَمْ يَأْتِهِمْ عَنْ
(1) - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز [9 /118] (18741) وسنن أبي داود - المكنز [3 /123] (3024 ) صحيح وقد أروده مختصرا