فهرس الكتاب

الصفحة 4934 من 4997

هذه السورة الصغيرة تعدل ثلث القرآن كما جاء في الروايات الصحيحة.روى البخاري عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ » [1] ...

وليس في هذا من غرابة.فإن الأحدية التي أمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يعلنها: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» ..هذه الأحدية عقيدة للضمير،وتفسير للوجود،ومنهج للحياة ..وقد تضمنت السورة - من ثم - أعرض الخطوط الرئيسية في حقيقة الإسلام الكبيرة ..

[سورة الإخلاص (112) :الآيات 1 إلى 4]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) }

«قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» ..وهو لفظ أدق من لفظ «واحد» ..لأنه يضيف إلى معنى «واحد» أن لا شيء غيره معه.وأن ليس كمثله شيء.

إنها أحدية الوجود ..فليس هناك حقيقة إلا حقيقته.وليس هناك وجود حقيقي إلا وجوده.وكل موجود آخر فإنما يستمد وجوده من ذلك الوجود الحقيقي،ويستمد حقيقته من تلك الحقيقة الذاتية.

وهي - من ثم - أحدية الفاعلية.فليس سواه فاعلا لشيء،أو فاعلا في شيء،في هذا الوجود أصلا.

وهذه عقيدة في الضمير وتفسير للوجود أيضا ..

فإذا استقر هذا التفسير،ووضح هذا التصور،خلص القلب من كل غاشية ومن كل شائبة،ومن كل تعلق بغير هذه الذات الواحدة المتفردة بحقيقة الوجود وحقيقة الفاعلية [2] .

(1) - صحيح البخارى- المكنز [17 /5] (5013 )

(2) - يقول الشهيد عبد الله عزام رحمه الله في كتابه النفيس عملاق الفكر الإسلامي (سيد قطب )

سيد قطب والقول بوحدة الوجود

اطلعت في مجلة المجتمع العدد (025) المؤرخ (11) جمادي الأولى سنة (1041هـ) على مقابلة مع الشيخ الألباني يقول فيها: (إن قول سيد قطب في تفسير سورة الإخلاص وأول سورة الحديد (هو عين القائلين بوحدة الوجود..كل ما تراه بعينك فهو الله ،وهذه المخلوقات التي يسميها أهل الظاهر مخلوقات ليست شيئا غير الله..وعلى هذا تأتي بعض الروايات التي تفصل هذه الضلالات الكبرى بما يرى من بعض الصوفيين القدماء من كان يقول(سبحاني ما أعظم شأني) والآخر الذي يقول (ما في الجبة إلا الله) ...هذا الكلام كله في هذين الموطنين من التفسير) (1) .1- انتهى كلام الشيخ الألباني.

ولقد هزني من أعماقي أن تنشر المجتمع على صفحاتها هذا الكلام لقرائها في العالم ،والمجتمع بالهيئة المشرفة عليها تدرك أن قراءها هم تلاميذ الأستاذ سيد قطب.

ولقد حز في النفوس أن ينسب هذا الكلام (القول بوحدة الوجود) إلى الأستاذ سيد الذي جلى حقيقة التوحيد من كل غبش ،بل ركز معظم كتاباته على شرح معنى (لا إله الآ الله) ونقل المعنى النظري للتوحيد إلى واقع حي متمثل في سلوك وحركات ،ودماء وتضحيات ،ولقد كانت حياته المليئة بصور الإعتزاز بالله ،والتوكل عليه والإلتجاء إليه خير شاهد على أن توحيد الربوبية (التوحيد العملي والنظري في القلب والنفس) (توحيد المعرفة والإثبات) قد جمع معه توحيد الألوهية (التوحيد العملي بالفعل) في واقع الحياة مشاعر وشعائر وكلمات ومواقف ،حتى غدا المؤمن بهذا التوحيد كالشم الرواسي لا يزعزعه قوى الأرض ،ولا يهزه جبروت الطغيان.

وحسبك منه تلك الكلمات التي كانت تنبثق من أعماقه معبرة عن استقرار التوحيد في طياته ، (تسمعه وهم يعرضون عليه الوزارة وهو رهين القيود يقول:(إن إصبع السبابة التي تشهد لله بالوحدانية في الصلاة لترفض أن تكتب حرفا تقر به حكم طاغية) .

وتصغي إليه وهم يحاولونه أن يسترحم فيقول: (لماذا أسترحم? إن كنت محكوما بحق فأنا أرتضى حكم الحق وإن كنت محكوما بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل) .

ولقد حدثت شقيقته حميدة أمامي فقالت:يوم الأحد (82) أغسطس (1966م) جاء قرار الإعدام موقعا من رئيس الجمهورية -عبدالناصر- ولكنهم كما يبدو أوعزوا إلى مدير السجن الحربي حمزة البسيوني أن يحاوله الإعتذار حتى آخر لحظة.

قالت حميدة:دعاني حمزة البسيوني وأطلعني على مصادقة عبد الناصر على قرار الإعدام فارتعشت أوصالي ،لأني كنت احب سيدا حبا يملك علي نفسي ،ثم قال حمزة:أمامنا فرصة أخيرة لإنقاذ هذا العلامة لأن إعدامه خسارة كبرى للعالم الإسلامي ،فإذا اعتذر فإننا نخفف حكم الإعدام إلى السجن ثم يخرج بعفو صحي بعد ستة أشهر ،فبادري إليه لعله يعتذر.

قالت حميدة:فدخلت عليه وقلت له:إنهم يقولون:إن حكم الإعدام سيوقف فيما إذا اعتذرت.

قال سيد: (عن أي شيء أعتذر? عن العمل مع الله ،والله لو عملت مع غير الله لاعتذرت ،ولكنني لن أعتذر عن العمل مع الله ،ثم قال:إطمئني يا حميدة ،ان كان العمر قد انتهى سينفذ حكم الإعدام ،وإن لم يكن العمر قد انتهى فلن ينفذ حكم الإعدام ولن يغني الإعتذار شيئا في تقديم الأجل أو تأخيره) .

يا لله! حبل المشنقة يلوح أمام ناظريه ،ولا تهتز أوصاله ،ولا يضطرب موقفه ،ولا يتراجع عن كلمته ،إنها القمة السامقة التي أحله فيها التوحيد ،إنها الطمأنينة التي سكبها الإيمان بالله في أعماقه وهو كما يقول في مقدمة (في ظلال القرآن) ص (31) دار الشروق:

ومن ثم عشت في ظلال القرآن هادئ النفس ،مطمئن السريرة ،قرير الضمير ،عشت أرى يد الله في كل حادث ،وفي كل أمر ،عشت في كنف الله وفي رعايته ،عشت أستشعر إيجابية صفاته تعالى وفاعليتها..) (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) .

(أي طمأنينة ينشئها هذا التصور? وأي سكينة يفيضها على القلب? وأي ثقة في الحق والخير والصلاح أو أي استعلاء على الواقع الصغير يسكبها في الضمير(1) ? 1- ص (41) مقدمة الظلال.

والكلام في هذا الموضوع يطول ،وليس هذا مكان الاسترسال في بيان أثر التوحيد في حياة هذا العملاق الكبير ،وما تركته كتاباته عن التوحيد من أثر في نفوس الجيل العائد إلى الله ،في جميع أنحاء الأرض.

ليس بدعا من القول أن نشير إلى أن سيد قطب أكثر من أثر في الأجيال بعد النصف الثاني من القرن العشرين ،ولا نعرف إنسانا ترك بصماته واضحة عميقة في نفوس الشباب أكثر منه ،ولا أظنني مغاليا إن قلت ما من مجموعة مسلمة أثرت في مجتمعاتها إلا وكان لسيد قطب أثر في نفوسها قليلا كان التأثير أم عميقا .

إن محاولة النيل من سيد قطب عبث ،وإن النزول معه في معركة سذاجة تبوء على صاحبها بالخيبة والخسران بعد أن بلغ الرجل كلمته ،وحمى كلماته بدمه وسار إلى ربه رافع الرأس ،قرير العين ،شامخ الأنف ،عزيزا ،أنا لا أنكر أن بعض محاولات النقد منبعثة من قلوب مخلصة ،ومحبة لإظهار الحق ،لأن الحق لا يعلو عليه أحد ،وإنما يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال.

نحن لا ننزه سيدا من الخطأ ،وحاشا لله أن ندعى له العصمة ،إذ ما من إنسان إلا ويؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر ص ،كما كان يردد إمام المدينة وعالمها مالك.

ونحن قد نجد في الظلال وغيره بعض الألفاظ التي قد تحتاج إلى دقة أكثر لتتفق مع المصطلحات الشرعية في العقيدة الإسلامية ،وهذا لا بد أن يكون مادام بشرا يخطئ ويصيب.

أما:أن يصل بنا الأمر أن ننسب إليه تلك العقيدة الفاسدة الضالة وهي:القول بوحدة الوجود.

هذه القولة التي تكاد تخر لها الجبال هدا ،سبحانك يا رب هذا بهتان عظيم ،إن وحدة الوجود تعني أن الخالق والمخلوق شيء واحد ،وأن الأثر هو المؤثر وأن الصانع قد ظهر في المصنوع لا انفصال ولا تباين.

إن وحدة الوجود تعني أن الحجر هو الله ،وأن الصحن هو الله ،وأن الحيوانات هي الله ،فلم يعد هنالك فرق بين من عبد الحجر والصنم والشمس وبين من يعبد الله ،لأنها كلها صور لشيء واحد هو الذات الإلهية (تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ) ،هل يصدق عاقل أن سيد قطب كان يعتقد أن عبد الناصر هو الله ،وأن حمزة البسيوني وشرطته هم صور الله ،وأن صفوت الروبي الجلاد هو الله وأن لا فرق بين من يعبد ابن غوريون ودايان ،وبين من يعبد الرحمن ،هل يصدق ذو لب أن سيد قطب كان يعتقد أن السجن الحربي هو الله ،أو يدخل في عقل عاقل أن سيد قطب كان يظن أن الشجر والحجر والقرد ،و الخنزيز والكلب صور لله عزوجل -سبحانك يا رب! إنها لإحدى الكبرـ.

والآن لا بد أن نقف على بعض الأقوال لمن قالوا بوحدة الوجود ،وقبل أن أدخل معك لأطلعك على أقوالهم ،أحب أن أبين أن سيد قطب قد هاجم القول بوحدة الوجود بالنص.

يقول رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه ،بل له مافي السموات والأرض كل له قانتون ،بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) (البقرة:711)

يقول في تفسيرها ص (601) ح (1) دار الشروق:والنظرية الإسلامية أن الخلق غير الخالق ،وأن الخالق ليس كمثله شيء..ومن هنا تنتفي من التصور الإسلامي فكرة:وحدة الوجود -على ما يفهمه غير المسلم من هذا الإصطلاح- أي بمعنى أن الوجود وخالقه وحدة واحدة أو أن الوجود إشعاع ذاتي للخالق ،أو أن الوجود هو الصورة المرئية لموجده ،أو على أي نحو من أنحاء التصور على هذا الأساس.

والوجود وحدة في نظر المسلم على معنى أخر: (وحدة صدروه عن الإراد ة الواحدة الخالقة ،ووحدة ناموسه الذي يسير به...)

والآن لنرجع إلى أقوال الذي قالوا بوحدة الوجود ،هؤلاء قوم كانوا يرون أن المصنوعات كلها صور للصانع حتى بلغ الأمر ببعضهم أن لايبصق على الارض ولا يستنجي بالحجارة لأنها في نظره صور لله -عزوجل- وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (1) .1- أنظر قاسم غني ص (65) تاريخ التصوف في الإسلام.

يقول أبو يزيد البسطامي سنة (162هـ) : (خرجت من الله إلى الله ،حتى صاح مني في يا من أنا أنت) (سبحاني ما أعظم شأني) (1) .1- أنظر كتاب الوكيل:هذه هي الصوفية ص (46) عن تذكرة الأولياء ص (160) .

وتحدث البسطامي عن حوار بينه وبين الله تعالى فقال:ورفعني فأقامني بين يديه وقال لي:يا أبا يزيد:إن خلقي يحبون أن يروك فقلت:ربني بوحدانيتك ،وألبسني أنانيتك ،وأرفعني إلى أحديتك ،حتى إذا رآني خلقك قالوا:رأيناك لتكون أنت ذاك ،ولا أكون أنا هناك) (1) .1- هذه هي الصوفية للوكيل ص (211) نقلا عن اللمع للسطوسي ص (383) .

وقال الحسين بن منصور الحلاج سنة (903 هـ) :

مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالماء الزلال

فإذا مسك شيء م سني فإذا أنت أنا في كل حال (1)

وقال الحلاج (2) :

أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا

1-هذه هي الصوفية للوكيل ص (94) نقلا عن الطوسين للحلاج ص (031ـ231) .

2-الصلة بين التصوف والتشيع (كامل الشيبي) ص (85) .

هذا كلام البسطامي والحلاج في وحدة الوجود ،والقول ظاهر لامجال فيه لتأويل متأول ،ولا لتفسير مفسر ،أن الخالق هو المخلوق ولم يعد هنالك انفصال ولا تمايز و لا تباين ،بل الصور هي الله ،والأشياء هي الله.فعبادة الأشياء هي عبادة لله.

أين هذا الكلام من عقيدة سيد قطب التي يصرح فيها مئات المرات في ظلال القرآن بالفرق بين الخالق والمخلوق ،والتباين بين مقام الإلوهية ومقام العبودية ،والآن تعال معي نقتبس بعض عباراته.

يقول في خصائص التصور الإسلامي (1) :1- خصائص التصور ص (803) ط (1) /الإتحاد الإسلامي العالمي.

(يقوم التصور الإسلامي على أساس أن هناك الوهية وعبودية...ألوهية يتفرد بها الله سبحانه ،وعبودية يشترك فيها كل من عداه وقل ما عداه..

وكما يتفرد الله -سبحانه- بالألوهية ،كذلك يتفرد تبعا لهذا بكل خصائص الألوهية ،وكما يشترك كل حي وكل شيء بعد ذلك في العبودية ،كذلك يتجرد كل حي وكل شيء من خصائص الأولوهية..فهناك إذن وجودان متميزان.وجود الله ،ووجود ما عداه من عبيد الله ،والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق وإلاله بالعبيد).

أرأيت إذن:

إن عبارة نصه تقول:فهناك إذن وجودان متميزان ،وجود الله ،ووجود ما عداه من عبيد الله ،والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق والإله بالعبد.

هل بقي قول لقائل أن يدعي بأن سيد قطب يخلط بين الله وبين عبيده وأن الله قد تجلى في صور مخلوقاته ،وأن الخالق والمخلوق شيء واحد لا فرق بينها ولا تمايز.

ويقول سيد -رحمة الله عليه- في تفسير آية الإسراء: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) (1) .1- أنظر في ظلال القرآن ط/دار الشروق (1122) .

(وتذكر صفة العبودية(أسرى بعبده) لتقريرها وتوكيدها في مقام الإسراء والعروج إلى الدرجات التي لم يبلغها بشر - وذلك كي لا ننسى هذه الصفة -ولا يلتبس مقام العبودية- بمقام الألوهية كما التبسا في العقائد المسيحية بعد عيسى عليه السلام ،بسبب مالابس مولده ووفاته - وبسبب الآيات التي أعطيت له فاتخذها بعضهم سببا للخلط بين مقام العبودية ومقام الأولوهية..وبذلك تبقى للعقيدة الاسلامية بساطتها ونصاعتها وتنزيهها للذات الإلهية عن كل شبهة من شرك أو مشابهة ،من قريب أو من بعيد) ويقول رحمه الله عند آية:

(لن يستنكف المسيح أن يكون عبد الله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ،فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ،وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ،ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ) (النساء:271)

لقد عني الإسلام عناية بالغة بتقرير حقيقة وحدانية الله سبحانه ،وحدانية لا تتلبس بشبهة شرك أو مشابهة في صورة من الصور ،وعني بتقرير أن الله سبحانه ليس كمثله شيء ،فلا يشترك معه شيء في ماهية ولا صفة ولا خاصية.

كما عني بتقرير حقيقة الصلة بين الله سبحانه وكل شيء (بما في ذلك كل حي) وهي أنه صلة ألوهية وعبودية ،ألوهية الله وعبودية كل شيء..والمتتبع للقرآن كله يجد العناية ،فيه بالغة بتقرير هذه الحقائق -أو هذه الحقيقة الواحدة بجوانبها هذه- بحيث لا تدع في النفس ظلا من شك أو شبهة أو غموض.

ولقد عني الإسلام كذلك بأن يقرر أن هذه هي الحقيقة التي جاء بها الرسل أجمعون.تقررها في سيرة كل رسول ،وفي دعوة كل رسول ،وجعلها محور الرسالة من عهد نوح عليه السلام إلى عهد محمد خاتم النبيين -عليه الصلاة والسلام- تتكرر الدعوة بها على لسان كل رسول: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) .

وكان من العجيب أن أتباع الديانات السماوية -وهي حاسمة وصارمة في تقرير هذه الحقيقة- يكون منهم من يحرف هذه الحقيقة وينسب لله -سبحانه- البنين والبنات -أو ينسب لله سبحانه- الامتزاج مع أحد من خلقه في صور الأقانيم ،اقتباسا من الوثنيات التي عاشت في الجاهليات!

ألوهية وعبودية...ولا شيء غير هذه الحقيقة ،ولا قاعدة إلا هذه القاعدة ولا صلة إلا صلة الألوهية بالعبودية وصلة العبودية بالألوهية ولا تستقيم تصورات الناس -كما لا يستقيم حياتهم- إلا بتمحيص هذه الحقيقة من كل غبش ،ومن كل شبهة ،ومن كل ظل.

أجل لا تستقيم تصورات الناس ولا تستقر مشاعرهم إلا حين يستيقنون حقيقة الصلة بينهم وبين ربهم.

هو إله لهم وهم عبيده ،هو خالق لهم وهم مخاليق..هو مالك لهم وهم مماليك..وهم كلهم سواء في هذه الصلة لا بنوة لأحد.ولا امتزاج بأحد..ومن ثم لا قربى لأحد الا بشئ يملكه كل أحد ويوجه إرادته إليه فيبلغه (التقوى والعمل الصالح) ..وهذا في مستطاع كل أحد أن يحاوله ،فإما البنوة وإما الإمتزاج مالي بهما لكل أحد?!

إن المسيح عيسى بن مريم لن يتعالى عن أن يكون عبدا لله ،لأنه -عليه السلام- وهو نبي الله ورسوله خير من يعرف حقيقة الألوهية وحقيقة العبوديه ،وإنهما ماهيتان مختلفتان لا تمتزجان.وهو خير من يعرف أنه م ن خلق الله فلايكون خلق الله كالله أو بعضا من الله (1) .1- أنظر تفسير الآية (لن يستنكف المسيح...) (النساء:271) في طبعة دار الشروق (في ظلال القرآن) المجلد (2) ص (818ـ028) .

والآن دعنا نرجع إلى بعض أقوال القائلين بوحدة الوجود ،الذين خرجوا من دين الله بأقوالهم هذه.إذ أن عباراتهم واضحة جلية في الكفر الصراح البواح ،وبمنطوقهم الصريح لا لبس فيه أنهم يعتبرون الخلق هم عين الخالق ،والأشياء هي حقيقة الله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا .

يقول ابن الفارض سنة (236) في قصيدته التائية وهو يصف الله ويتكلم عنه كأنه يتكلم عن معشوقته ويتغزل بحبيبته.

لها صلواتي بالمقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلت

كلانا مصل واحد ساجد إلى حقيقته بالجمع في كل سجدة

وما كان لي صلى سواي ولم تكن صلاتي لغيري في إدا كل ركعة

إنه ينطق بعبارة صريحة أنه يصلي لله والله يصلي له فكلاهما مصل واحد وساجد واحد ،فأبن الفارض صلى لنفسه ولم تكن صلاته لغيره فهو وربه حقيقة واحدة ،وشئ واحد تعالى الله عما يقول الفارض.

ويقول ابن عربي (836 هـ) : (فوجودنا وجوده ،ونحن مفتقرون إليه من حيث وجودنا ،وهو مفتقر إلينا من حيث ظهوره لنفسه:من يحمدني وأحمده ويعبدني واعبده(1) .1- هذه هي الصوفية للوكيل ص (34) نقلا عن فصوص الحكم لابن عربي (1/38) .

ويقول (1) :

1-هذه هي الصوفية للوكيل ص (471) نقلا عن الفتوحات المكية لابن عربي الباب (921) .

العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف

ويقول (1) .

1-مدارج السالكين (1/06) .

لا تراقب فليس في الكون إلا واحد لعين فهو عين الوجود

ويسمى في حالة باله ويسمى في حالة بالعبيد

وأما جلال الدين الرومي سنة (276) فهو يقول (1) :1- قاسم غني ص (351) . (يا من تبحثون عن الله ،إنما أنتم الله ،ليس الله خارجا عنكم ،هو أنتم أنتم ،اعتكفوا في الدار ،ولا تدوروا هنا وهناك لأنكم أنتم الدار ،وأنتم رب الدار أنتم الذات وأنتم الصفات فالذي لم يلد ولم يولد هو منكم أنتم الأطهار والقيومون المنزهون البعيدون عن التغيير) .

ويقول صدر الدين القونوي سنة (376) :

(فالإنسان هو الحق وهو الذات ،وهو الصفات ،وهو العرش وهو الكرسي...وهو الموجود وما حواه...وهو الحق وهو الخلق ،وهوالقديم وهو الحادث) (1) .1- هذه هي الصوفية للوكيل).

هذه عبارات القائلين بوحدة الوجود ،هي واضحة صريحة بمنطوقها ونصها أن الخالق هو المخلوق ،وأن الإنسان هو الله.-سبحان الله عما يشركون 0

أهذه العبارات تشبه عبارة سيد قطب التي حملوها فوق ما تحتمل ،وفسروها تفسيرا يفضي إلى الكفر كما يقول الألباني:؛نحن لا نحابي في دين الله أحدا ...نقول هذا الكلام كفر).

يقول الأستاذ سيد في تفسير آية الحديد: (هو الأول والأخر والظاهر والباطن) هذا الوجود الإلهي هو الوجود الحقيقي الذي يستمد منه كل شيء وجوده ،وهذه هي الحقيقة الأولى التي يستمد منها كل شيء حقيقته ،وليس وراءها حقيقة ذاتية ولا وجود ذاتي لشيء في هذا الوجود.

إذن فهما وجودان:وجود الله ،ووجود الأشياء الذي استمد وجوده من الله ،وهما حقيقتان:حقيقة الله ،وحقيقة الأشياء.

(وهما وجودان متمايزان كما يقول في خصائص التصور(1) :1- خصائص التصور الإسلامي ص (803) ط/ الإتحاد الإسلامي العالمي. (ووجود ماعداه من عبيد الله والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق والإله بالعبيد) .

وما كان لكاتب المعالم والظلال ،وخصائص التصور ومقوماته إلا أن تكون عقيدته صافية بهذا الشكل ،فهو يقول في تفسير آية:

(يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق...) (النساء:171)

(والله سبحانه تعالى عن الشركة ،وتعالى عن المشابهة ،ومقتضى كونه خالقا يستتبع -بذاته- أن يكون غير الخلق ،وما يملك ادراك أن يتصور إلا هذا التغاير بين الخالق والمخلوق ،والمالك والملك) (1) .1- في ظلال القرآن ص (618) المجلد (2) .

أرأيت هذه العبارة الأخيرة لعملاق الفكر الإسلامي: (وما يملك إدراك أن يتصور إلا هذا التغاير بين الخالق والمخلوق) .

أي:لا يمكن لعاقل في رأسه ذرة من تفكير أو بقية من لب أن يتصور أن الشيء وخالقة واحد ،ولا يمكن الإنسان سوى أن يمر بذهنه أو قلبه لحظة أن الحجر والشجر هو ذات الله -عز وجل- بل لقد كان المشركون الذي يعبدون الأصنام يقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) .

وكانوا يقولون: (لبيك اللهم لبيك لا شريك لك ،إلا شريكا هو لك ،تملكه وما ملك) .

ثم يقول الأستاذ رحمه الله في سورة الحديد:

(ولقد أخذ المتصوفة بهذه الحقيقة الأساسية الكبرى ،وهاموا بها وفيها ،وسلكوا إليها مسالك شتى ،بعضهم قال:أنه يرى الله في كل شيء في الوجود وبعضهم قال:أنه رأى الله من وراء كل شيء في الوجود ،وبعضهم قال:انه رأى الله فلم ير شيئا غيره في الوجود وكلها أقوال تشير إلى الحقيقة إذا تجاوزنا عن ظاهر الألفاظ القاصرة في هذا المجال(1) .1- سورة الحديد في ظلال القرآن (6/0843) ط/الشروق.

إن ذكر كلمة المتصوفة في هذا المجال هو الذي جعل المنتقدين بهذه العبارات ينتفضون ،والمتصوفة يقولون بوحدة الوجود ،إذا فسيد قطب يقول بوحدة الوجود!!.

هذه عبارات أدبية خرجت مع قلم سيد قطب السيال بهذا النص ،هو يريد أن يوضح القضية الكبرى التي تجعل الإنسان يعبر على مسيرة الحياة بالمبادئ الربانية والشريعة الإلهية.هذه القضية أن الله عزوجل هو الفعال لما يريد ،وكل فعل ممن عداه لا يستحق أن ينظر إليه ،لأنه صغير ،حقير ،وهو بجانب قدرة الله وفعله لا يساوي شيئا ،بل كأنه غير موجود.

وكما يقول في مقدمة (في ظلال القرآن) : (ومن ثم عشت في ظلال القرآن ،هادئ النفس ،مطمئن السريرة ،قرير الضمير ،عشت أرى يد الله في كل حادث وفي كل أمر) (1) .1- مقدمة الظلال ص (31) .

ويقول في تفسير (قل هو الله أحد) : (ومتى استقر هذا التصور الذي لا يرى في الوجود إلا حقيقة الله) ،نستصحبه رؤية هذه الحقيقة في كل وجود آخر انبثق عنها ،وهذه درجة يرى فيها القلب يد الله في كل شيء يراه ،ووراء ها الدرجة التي لا يرى فيها شيئا في الكون إلا الله ،لأنه لا حقيقة هناك يراها إلا حقيقة الله) (1) .1- في ظلال القرآن (6/3004) ط/دار الشروق.

العبارات أدبية بأسلوب رائع رصين وفيها خفاء في المعنى وبعض الإبهام وهي تتضمن في ذاتها (الفرق بين الخالق والمخلوق) فهو يقول:مستصحبه رؤية هذه الحقيقة في كل وجود آخر انبثق عنها إذن فهما وجودان:وجود الله ،ووجود كل شيء آخر انبثق من إرادة الله.

هذه واحدة ،والشيء الآخر أن المسألة والقضية هي:مجرد مشاعر ورؤية قلبية فالعبارات تقول:وهذه درجة يرى فيها القلب يد الله في كل شيء يراه ،وأما إذا أردنا الوقوف على ظاهر الألفاظ فهل يرى القلب يد الله? (1) .

1-قال ابن القيم في مدارج السالكين (1/451) :(الفناء:هذا الإسم يطلق على ثلاث معان:

أ- الفناء عن وجود السوى (غير الله) :فهذا فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود.

ب- الفناء عن شهود السوى:فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصوفية المتأخرين وهو الذي بنى عليه أبو إسماعيل الأنصاري كتابه ،وليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج بل فناؤه عن شهودهم وحسهم ،فحقيقته:غيبة أحدهم عن سوى مشهوده (الله) .

ج- الفناء عن إرادة السوى:وهو فناء خواص الأولياء وائمة المقربين ،فيغنى بمراد محبوبه منه عن مراده هو من محبوبه.

ولابن القيم كلام قريب من هذا أن الأمر الذي يريد سيد قطب إقراره في القلب هو:إرجاع الأمر كله إلى الله (قل إن الأمر كله لله) ويريد أن يوهن أمر الأسباب حتى لا يعلق بها القلب البشري ،فهي صغيرة ،ضئيلة لا قيمة لها ولا وزن بجانب الإرادة الفعالة - إرادة الله - (فعال لما يريد) ،فوجود هذه الأشياء والأسباب والقوى التي تستعلي في الأرض صغير صغير أمام الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء) ،إن سيد رأى تخاذل الناس أمام قوى الطغيان التي تستعبد الناس في الأرض فأراد أن يغرس في النفوس أن هؤلاء بقواهم وعددهم لا ينظر إليهم إذا نظرنا إلى وجود الله وقوة الله فكأنهم غير موجود ،لأن القلب المرتبط بالله ينظر إلى القوة الحقيقية ،ينظر إلى جبار السموات والأرض إلى الذي يمسك السموات أن تزولا ،فما هذا الغثاء وما بال هذا الزبد يطفو وينتفش ويستعلي على عباد الله ،وهو في حقيقته كأنه غير موجود.

ويصرح سيد بهذا المعنى الذي يريد إقراره في النفوس في تفسير سورة الإخلاص ، (كذلك سيصحبه نفي فاعلية الأسباب ،ورد كل شيء وكل حدث ،وكل حركة إلى السبب الأول الذي منه صدرت ،وبه تأثرت..وهذه هي الحقيقة التي عني القرآن عناية كبيرة بتقريرها في التصور الإيماني ،ومن ثم كان ينحي الأسباب الظاهرة دائما ويصل الأمور مباشرة بمشيئة الله(وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى) (وما النصر إلامن عندالله« ؛وما تشاءون إلا أن يشاء الله) هذه هي مدارج الطريق التي حاد لها المتصوفة فجذبتهم إلى بعيد (1) .1- تفسير سورة الإخلاص ،في ظلال القرآن (6/303) .

وما أجمل ما أضاف سيد هنا وهو ينتقد الصوفية عبارة فجذبتهم إلى بعيد بالقول بوحدة الوجود) ثم يضيف عبارته التي أوردها في سورة البقرة في تفسير (قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه) .

(والنظرية الإسلامية:أن الخلق غير الخالق ،وأن الخالق ليس كمثله شيء...ومن هنا تنتفي من التصور فكرة وحدة الوجود....أي بمعنى أن الوجود وخالقه وحدة واحدة ،أو أن الوجود إشعاع ذاتي للخالق ،أو أن الوجود هو الصورة المرئية لموجده ،أو على أي نحو من أنحاء التصور على هذا الأساس) (1) .1- في ظلال القرآن مجلد (1 /601) ط/دار الشروق.

وما أجملها من عبارة له -رحمه الله- يقول فيها: (وعقيدة أن لله -سبحانه- ولدا عقيدة ساذجة ،منشؤها قصور في التصور يعجز عن إدراك الفارق الهائل بين الطبيعة الإلهية الأزلية الباقية والطبيعة البشرية المخلوقة الفانية ،والقصور كذلك عن إدراك حكمة السنة التي جرت بتوالد أبناء الفناء ،وهي التكملة الطبيعة لما فيها من نقص وقصور لايكونان لله) (1) .1- في ظلال القرآن مجلد (3/5081) ط/دار الشروق.

ويقول: (الحقيقة الاعتقادية التي تنشأ في النفس من تقرير حقيقة الوحدانية..حقيقة أن الوهية الخالق تتبعها عبودية الخلائق..وأن هناك فقط ألوهية وعبودية ،ألوهية واحدة وعبودية كل شيء ،وكل أحد في هذا الوجود) (1) .1- في ظلال القرآن مجلد (2/818) ط/دار الشروق.

هذه عبارة سيد قطب:يهاجم فيها بالنص (القول بوحدة الوجود) ويصرح فيها باللفظ مئات المرات ،أن مقام الإلوهية غير مقام العبودية (وأن الخالق غير الخلق...فهناك إذن وجودان متمايزان..وجود الله ووجود ما عداه من عبيد الله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت