فهرس الكتاب

الصفحة 4933 من 4997

وبخاصة حين انتشرت هذه السورة وما تحمله من تهديد ومذمة وتصوير زري لأم جميل خاصة.تصوير يثير السخرية من امرأة معجبة بنفسها،مدلة بحسبها ونسبها.ثم ترتسم لها هذه الصورة: «حَمَّالَةَ الْحَطَبِ.فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ» ! في هذا الأسلوب القوي الذي يشيع عند العرب!

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:فَذُكِرَ لِي:أَنّ أُمّ جَمِيلٍ:حَمّالَةَ الْحَطَبِ حِينَ سَمِعَتْ نَزَلَ فِيهَا،وَفِي زَوْجِهَا مِنْ الْقُرْآنِ أَتَتْ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ،وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ مِنْ حِجَارَةٍ فَلَمّا وَقَفَتْ عَلَيْهِمَا أَخَذَ اللّهُ بِبَصَرِهَا عَنْ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَا تَرَى إلّا أَبَا بَكْرٍ،فَقَالَتْ يَا أَبَا بَكْرٍ:أَيْنَ صَاحِبُك،فَقَدْ بَلَغَنِي أَنّهُ يَهْجُونِي،وَاَللّهِ لَوْ وَجَدْته لَضَرَبْتُ بِهَذَا الْفِهْرِ فَاهُ أَمَا وَاَللّهِ إنّي لَشَاعِرَةٌ ثُمّ قَالَتْ

مُذَمّمًا عَصَيْنَا ...وَأَمْرَهُ أَبَيْنَا

وَدِينَهُ قَلَيْنَا ثُمّ انْصَرَفَتْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:يَا رَسُولَ اللّهِ أَمَا تَرَاهَا رَأَتْك ؟ فَقَالَ مَا رَأَتْنِي،لَقَدْ أَخَذَ اللّهُ بِبَصَرِهَا عَنّي .قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:قَوْلُهَا"وَدِينَهُ قَلَيْنَا"عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ .قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إنّمَا تُسَمّي رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُذَمّمًا،ثُمّ يَسُبّونَهُ فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُول:أَلَا تَعْجَبُونَ لِمَا يَصْرِفُ اللّهُ عَنّي مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ،يَسُبّونَ وَيَهْجُونَ مُذَمّمًا،وَأَنَا مُحَمّدٌ". [1] "

وروى الحافظ أبوبكر البزار عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَالَ:لَمَّا نَزَلَتْ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} جَاءَتِ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ وَرَسُولُ اللهِ جَالِسٌ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ:لَوْ تَنَحَّيْتَ لاَ تُؤْذِيكَ يَا رَسُولَ اللهِ،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:إِنَّهُ سَيُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا،فَأَقْبَلَتْ حَتَّى وَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ:يَا أَبَا بَكْرٍ:هَجَانَا صَاحِبُكَ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:لاَ وَرَبِّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ مَا يَنْطِقُ بِالشِّعْرِ وَلاَ يَتَفَوَّهُ بِهِ،فَقَالَ:إِنَّكَ لَمُصَدَّقٌ فَلَمَّا وَلَّتْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ:مَا رَأَتْكَ قَالَ:لاَ،مَا زَالَ مَلَكٌ يَسْتُرُنِي حَتَّى وَلَّتْ. [2] .

فهكذا بلغ منها الغيظ والحنق،من سيرورة هذا القول الذي حسبته شعرا (وكان الهجاء لا يكون إلا شعرا) مما نفاه لها أبوبكر وهو صادق!

ولكن الصورة الزرية المثيرة للسخرية التي شاعت في آياتها،قد سجلت في الكتاب الخالد،وسجلتها صفحات الوجود أيضا تنطق بغضب اللّه وحربه لأبي لهب وامرأته جزاء الكيد لدعوة اللّه ورسوله،والتباب والهلاك والسخرية والزراية جزاء الكائدين لدعوة اللّه في الدنيا،والنار في الآخرة جزاء وفاقا،والذل الذي يشير إليه الحبل في الدنيا والآخرة جميعا ...

(1) - سيرة ابن هشام [1 /355] بلا سند

(2) - مسند البزار -مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة [1 /68] (15) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت