وكم من كلمات براقة،وكم من مذاهب ونظريات،وكم من تصورات مزوقة،وكم من أوضاع حشدت لها كل قوى التزيين والتمكين .. ولكنها تتذاوب أمام كلمة من اللّه،فيها من سلطانه - سبحانه - سلطان! وفي ثقة المطمئن،وقوة المتمكن،يواجه هود قومه بالتحدي: «فَانْتَظِرُوا،إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ» ..
إن هذه الثقة هي مناط القوة التي يستشعرها صاحب الدعوة إلى اللّه .. إنه على يقين من هزال الباطل وضعفه وخفة وزنه مهما انتفش ومهما استطال. كما أنه على يقين من سلطان الحق الذي معه وقوته بما فيه من سلطان اللّه.
ولا يطول الانتظار في السياق: «فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا،وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا،وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ» ..
فهو المحق الكامل الذي لا يتخلف منه أحد. وهو ما عبر عنه بقطع الدابر. والدابر هو آخر واحد في الركب يتبع أدبار القوم! وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين. وتحقق النذير مرة أخرى بعد إذ لم ينفع التذكير ..
ولا يفصل السياق هنا ما يفصله من أمر هذا الهلاك في السور الأخرى. فنقف نحن في ظلال النص الذي يهدف إلى الاستعراض السريع ولا نخوض في تفصيل له مواضعه في النصوص.
« وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا،قالَ:يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ. قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ،هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً،فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ،وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ،وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ،تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا،وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا،فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ،وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا - لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ:أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ؟ قالُوا:إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ،قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا:إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ. فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ،وَقالُوا:يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ. فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ:يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي،وَنَصَحْتُ لَكُمْ،وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ» ..
وهذه صفحة أخرى من صحائف قصة البشرية وهي تمضي في خضم التاريخ. وها هي ذي نكسة أخرى إلى الجاهلية ومشهد من مشاهد اللقاء بين الحق والباطل،ومصرع جديد من مصارع المكذبين. «وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا. قالَ:يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» ..
ذات الكلمة الواحدة التي بها بدأ هذا الخلق وإليها يعود. وذات المنهج الواحد في الاعتقاد والاتجاه والمواجهة والتبليغ ..