«ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ» فزينب ليست حليلة ابنه،وزيد ليس ابن محمد.إنما هو ابن حارثة.ولا حرج إذن في الأمر حين ينظر إليه بعين الحقيقة الواقعة.
والعلاقة بين محمد - صلى الله عليه وسلم - وبين جميع المسلمين - ومنهم زيد بن حارثة - هي علاقة النبي بقومه،وليس هو أبا لأحد منهم: «وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ» ..
ومن ثم فهو يشرع الشرائع الباقية،لتسير عليها البشرية وفق آخر رسالة السماء إلى الأرض،التي لا تبديل فيها بعد ذلك ولا تغيير. «وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا» ..فهو الذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية،وما يصلحها وهو الذي فرض على النبي ما فرض،واختار له ما اختار.ليحل للناس أزواج أدعيائهم،إذا ما قضوا منهن وطرا،وانتهت حاجتهم منهن،وأطلقوا سراحهن ..
قضى اللّه هذا وفق علمه بكل شيء.ومعرفته بالأصلح والأوفق من النظم والشرائع والقوانين ووفق رحمته وتخيره للمؤمنين.
ثم يمضي السياق القرآني في ربط القلوب بهذا المعنى الأخير،ووصلهم باللّه الذي فرض على رسوله ما فرض،واختار للأمة المسلمة ما اختار يريد بها الخير،والخروج من الظلمات إلى النور:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا،وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ،وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا.تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ.وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا» ..
وذكر اللّه اتصال القلب به،والاشتغال بمراقبته وليس هو مجرد تحريك اللسان.وإقامة الصلاة ذكر اللّه.بل إنه وردت آثار تكاد تخصص الذكر بالصلاة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،وَأَبِي سَعِيدٍ،قَالاَ:إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا،كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ [1] .
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ،وَأَبِي هُرَيْرَةَ،قَالاَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ،فَقَامَا فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ،كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ. [2]
وإن كان ذكر اللّه أشمل من الصلاة.فهو يشمل كل صورة يتذكر فيها العبد ربه،ويتصل به قلبه.
سواء جهر بلسانه بهذا الذكر أم لم يجهر.والمقصود هو الاتصال المحرك الموحي على أية حال.
وإن القلب ليظل فارغا أو لاهيا أو حائرا حتى يتصل باللّه ويذكره ويأنس به.فإذا هو مليء جاد،قار،يعرف طريقه،ويعرف منهجه،ويعرف من أين وإلى أين ينقل خطاه!
(1) -مصنف ابن أبي شيبة [4 /439] ( 6675) صحيح
(2) -صحيح ابن حبان [6 /307] ( 2568) صحيح