{ وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (9) قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (10) }
في الجولة الأولى لمس قلوبهم بعرض قصة وجودهم وخلقهم من نفس واحدة وتزويجها من جنسها وخلق الأنعام أزواجا كذلك وخلقهم في بطون أمهاتهم في ظلمات ثلاث.وأشعرهم يد اللّه تمنحهم خصائص جنسهم البشري أول مرة ثم تمنحهم خصائص البقاء والارتقاء.
وهنا يلمس قلوبهم لمسة أخرى وهو يعرض عليهم صورتهم في الضراء وصورتهم في السراء ويريهم تقلبهم وضعفهم وادعاءهم وقلة ثباتهم على نهج إلا حين يتصلون بربهم،ويتطلعون إليه،ويقنتون له،فيعرفون الطريق،ويعلمون الحقيقة وينتفعون بما وهبهم اللّه من خصائص الإنسان.
الدرس الأول:8 اللجوء إلى الله عند الضر ونسيانه عند النعمة
«وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ.ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ،وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدادًا،لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ.قُلْ:تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا،إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ» ..
إن فطرة الإنسان تبرز عارية حين يمسه الضر ويسقط عنها الركام وتزول عنها الحجب،وتتكشف عنها الأوهام فتتجه إلى ربها،وتنيب إليه وحده وهي تدرك أنه لا يكشف الضر غيره.وتعلم كذب ما تدعي من شركاء أو شفعاء.
فأما حين يذهب الضر ويأتي الرخاء،ويخوله اللّه نعمة منه،ويرفع عنه البلاء.فإن هذا الإنسان الذي تعرت فطرته عند مس الضر يعود فيضع عليها الركام،وينسى تضرعه وإنابته وتوحيده لربه.وتطلعه إليه في المحنة وحده،حين لم يكن غيره يملك أن يدفع عنه محنته ..ينسى هذا كله ويذهب يجعل للّه أندادا.إما آلهة يعبدها كما كان في جاهليته الأولى وإما قيما وأشخاصا وأوضاعا يجعل لها في نفسه شركة مع اللّه،كما يفعل في جاهلياته الكثيرة! فإذا هو يعبد شهواته وميوله ومطامعه ومخاوفه وماله وأولاده وحكامه وكبراءه كما يعبد اللّه أو أخلص عبادة ويحبها كما يحب اللّه أو أشد حبا! والشرك ألوان.فيها الخفي الذي لا يحسبه الناس شركا،لأنه لا يأخذ شكل الشرك المعروف وإنما هو من الشرك في الصميم.