فهرس الكتاب

الصفحة 3669 من 4997

يتحفز بكل قواه وبكل يقظته وبغريزة الدفاع عن النفس وحماية الذات.يتحفز لدفع الغواية والإغراء ويستيقظ لمداخل الشيطان إلى نفسه،ويتوجس من كل هاجسة،ويسرع ليعرضها على ميزان اللّه الذي أقامه له ليتبين،فلعلها خدعة مستترة من عدوه القديم! وهذه هي الحالة الوجدانية التي يريد القرآن أن ينشئها في الضمير.حالة التوفز والتحفز لدفع وسوسة الشيطان بالغواية كما يتوفز الإنسان ويتحفز لكل بادرة من عدوه وكل حركة خفية! حالة التعبئة الشعورية ضد الشر ودواعيه،وضد هواتفه المستسرة في النفس،وأسبابه الظاهرة للعيان.حالة الاستعداد الدائم للمعركة التي لا تهدأ لحظة ولا تضع أوزارها في هذه الأرض أبدا.

ثم يدعم هذه التعبئة وهذا الحذر وهذا التوفر ببيان عاقبة الكافرين الذين لبوا دعوة الشيطان،وحالة المؤمنين الذين طاردوه: «الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ.وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ» ..

الدرس الثاني:8 وسيلة الشيطان في تزيين السوء لأوليائه

ويعقب على هذا بتصوير طبيعة الغواية،وحقيقة عمل الشيطان،والباب الذي يفتح فيجيء منه الشر كله ويمتد منه طريق الضلال الذي لا يرجع منه سالك متى أبعدت فيه خطاه: «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ...؟» ..هذا هو مفتاح الشر كله ..أن يزين الشيطان للإنسان سوء عمله فيراه حسنا.أن يعجب بنفسه وبكل ما يصدر عنها.ألا يفتش في عمله ليرى مواضع الخطأ والنقص فيه،لأنه واثق من أنه لا يخطئ! متأكد أنه دائما على صواب! معجب بكل ما يصدر منه! مفتون بكل ما يتعلق بذاته.لا يخطر على باله أن يراجع نفسه في شيء،ولا أن يحاسبها على أمر.وبطبيعة الحال لا يطيق أن يراجعه أحد في عمل يعمله أو في رأي يراه.لأنه حسن في عين نفسه.مزين لنفسه وحسه.لا مجال فيه للنقد،ولا موضع فيه للنقصان! هذا هو البلاء الذي يصبه الشيطان على إنسان وهذا هو المقود الذي يقوده منه إلى الضلال.فإلى البوار! إن الذي يكتب اللّه له الهدى والخير يضع في قلبه الحساسية والحذر والتلفت والحساب.فلا يأمن مكر اللّه.

ولا يأمن تقلب القلب.ولا يأمن الخطأ والزلل.ولا يأمن النقص والعجز.فهو دائم التفتيش في عمله.دائم الحساب لنفسه.دائم الحذر من الشيطان.دائم التطلع لعون اللّه.

وهذا هو مفرق الطريق بين الهدى والضلال،وبين الفلاح والبوار.

إنها حقيقة نفسية دقيقة عميقة يصورها القرآن في ألفاظ معدودة: «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا» ..إنه نموذج الضال الهالك البائر الصائر إلى شر مصير.ومفتاح هذا كله هو هذا التزيين.هو هذا الغرور.هو هذا الستار الذي يعمي قلبه وعينه فلا يرى مخاطر الطريق.ولا يحسن عملا لأنه مطمئن إلى حسن عمله وهو سوء.ولا يصلح خطأ لأنه واثق أنه لا يخطئ! ولا يصلح فاسدا لأنه مستيقن أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت