روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ،وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ،وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ،فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَأْتِىَ عَرَفَاتٍ،ثُمَّ يَقِفَ بِهَا ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا،فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) [1] .
قفوا معهم حيث وقفوا،وانصرفوا معهم حيث انصرفوا ..إن الإسلام لا يعرف نسبا،ولا يعرف طبقة.
إن الناس كلهم أمة واحدة.سواسية كأسنان المشط،لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.ولقد كلفهم الإسلام أن يتجردوا في الحج من كل ما يميزهم من الثياب،ليلتقوا في بيت اللّه إخوانا متساوين.فلا يتجردوا من الثياب ليتخايلوا بالأنساب ..ودعوا عنكم عصبية الجاهلية،وادخلوا في صبغة الإسلام ..واستغفروا اللّه ..
استغفروه من تلك الكبرة الجاهلية.واستغفروه من كل ما مس الحج من مخالفات ولو يسيرة هجست في النفس،أو نطق بها اللسان.مما نهى عنه من الرفث والفسوق والجدال.
وهكذا يقيم الإسلام سلوك المسلمين في الحج،على أساس من التصور الذي هدى البشرية إليه.أساس المساواة،وأساس الأمة الواحدة التي لا تفرقها طبقة،ولا يفرقها جنس،ولا تفرقها لغة،ولا تفرقها سمة من سمات الأرض جميعا ..وهكذا يردهم إلى استغفار اللّه من كل ما يخالف عن هذا التصور النظيف الرفيع ..
«فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا.فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ:رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا،وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ.وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ:رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً،وَقِنا عَذابَ النَّارِ.أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا،وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ» ..
ولقد سبق أنهم كانوا يأتون أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز ..وهذه الأسواق لم تكن أسواق بيع وشراء فحسب إنما كانت كذلك أسواق كلام ومفاخرات بالآباء،ومعاظمات بالأنساب ..ذلك حين لم يكن للعرب من الاهتمامات الكبيرة ما يشغلهم عن هذه المفاخرات والمعاظمات! لم تكن لهم رسالة إنسانية بعد ينفقون فيها طاقة القول وطاقة العمل.فرسالتهم الإنسانية الوحيدة هي التي ناطهم بها الإسلام.فأما قبل الإسلام وبدون الإسلام فلا رسالة لهم في الأرض،ولا ذكر لهم في السماء ..ومن ثم كانوا ينفقون أيام عكاظ ومجنة وذي المجاز في تلك الاهتمامات الفارغة.في المفاخرة بالأنساب وفي التعاظم بالآباء ..فأما الآن وقد أصبحت لهم بالإسلام رسالة ضخمة،وأنشأ لهم الإسلام تصورا جديدا،بعد أن أنشأهم نشأة جديدة ..أما الآن فيوجههم القرآن لما هو خير،يوجههم إلى ذكر اللّه بعد
(1) - صحيح البخارى- المكنز [15 /8] (4520) وصحيح مسلم- المكنز [8 /60] (3013 )