وفي هذا الإجمال من التهديد ما يزلزل القلوب ..
إنها الطمأنينة الواثقة بالحق الواثقة بنهاية الباطل مهما تبجح،الواثقة بأخذ اللّه للمكذبين في الأجل المرسوم،الواثقة من أن كل نبأ إلى مستقر وكل حاضر إلى مصير.
وما أحوج أصحاب الدعوة إلى اللّه - في مواجهة التكذيب من قومهم،والجفوة من عشيرتهم،والغربة في أهلهم،والأذى والشدة والتعب واللأواء .. ما أحوجهم إلى هذه الطمأنينة الواثقة التي يسكبها القرآن الكريم في القلوب!
فإذا أنهى إليهم هذا البلاغ،وإذا واجه تكذيبهم بهذه المفاصلة .. فإنه - صلى الله عليه وسلم - مأمور بعد ذلك ألا يجالسهم - حتى للبلاغ والتذكير - إذا رآهم يخوضون في آيات اللّه بغير توقير ويتحدثون عن الدين بغير ما ينبغي للدين من الجد والمهابة ويجعلون الدين موضعا للعب واللهو بالقول أو بالفعل حتى لا تكون مجالسته لهم - وهم على مثل هذه الحال - موافقة ضمنية على ما هم فيه أو قلة غيرة على الدين الذي لا يغار المسلم على حرمة كما يغار عليه. فإذا أنساه الشيطان فجلس معهم،ثم تذكر،قام من فوره وفارق مجلسهم: «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ. وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ..
ولقد كان هذا الأمر للرسول - صلى الله عليه وسلم - ويمكن في حدود النص أن يكون أمرا لمن وراءه من المسلمين .. كان هذا الأمر في مكة. حيث كان عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقف عند حدود الدعوة.
وحيث كان غير مأمور بقتال للحكمة التي أرادها اللّه في هذه الفترة. وحيث كان الاتجاه واضحا لعدم الاصطدام بالمشركين ما أمكن .. فكان هذا الأمر بألا يجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - في مجالس المشركين متى رآهم يخوضون في آيات اللّه ويذكرون دينه بغير توقير،والمسارعة إلى ترك هذه المجالس - لو أنساه الشيطان - بمجرد أن يتذكر أمر اللّه ونهيه. وكان المسلمون كذلك مأمورين بهذا الأمر كما تقول بعض الروايات .. والقوم الظالمون،المقصود بهم هنا القوم المشركون. كما هو التعبير الغالب في القرآن الكريم ..
فأما بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة،فكان للنبي - صلى الله عليه وسلم - شأن آخر مع المشركين.وكان الجهاد والقتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للّه. حيث لا يجترىء أحد على الخوض في آيات اللّه! ثم يكرر السياق المفاصلة بين المؤمنين والمشركين،كما قررها من قبل بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين. ويقرر اختلاف التبعة واختلاف المصير: «وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيء،وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» ..
فليست هنالك تبعة مشتركة بين المتقين والمشركين. فهما أمتان مختلفتان - وإن اتحدتا في الجنس والقوم فهذه لا وزن لها في ميزان اللّه،ولا في اعتبار الإسلام .. إنما المتقون أمة،والظالمون (أي