إن مواضع العقد وشروط التعاقد لا مجال للغموض فيها،ولا اللعثمة،ولا الحياء.ومن ثم يقر موسى العرض،ويبرم العقد،على ما عرض الشيخ من الشروط.ثم يقرر هذا ويوضحه: «أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ» ..سواء قضيت ثماني سنوات أو أتممت عشرا،فلا عدوان في تكاليف العمل،ولا عدوان في تحتيم العشر فالزيادة على الثمانية اختيار .. «وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ» .فهو الشهيد الموكل بالعدل بين المتعاقدين.وكفى باللّه وكيلا.
بيَّن موسى - عليه السّلام - هذا البيان تمشيا مع استقامة فطرته،ووضوح شخصيته،وتوفية بواجب المتعاقدين في الدقة والوضوح والبيان.وهو ينوي أن يوفي بأفضل الأجلين كما فعل.فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ سَأَلَنِى يَهُودِىٌّ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ أَىَّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى قُلْتُ لاَ أَدْرِى حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى حَبْرِ الْعَرَبِ فَأَسْأَلَهُ .فَقَدِمْتُ،فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا،إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا قَالَ فَعَلَ [1] .
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ:أَيُّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ قَالَ:أَوْفَاهُمَا وَأَتَمُّهُمَا ، قَالَ:وَإِنْ سُئِلْتَ:أَيُّ الْمَرْأَتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقَالَ:الصُّغْرَى مِنْهُمَا.
وفي رواية عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ:أَيُّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ قَالَ:أَتَمُّهُمَا وَأَبَرُّهُمَا" [2] "
وهكذا اطمأن بموسى - عليه السّلام - المقام في بيت حميه وقد أمن من فرعون وكيده.ولحكمة مقدرة في علم اللّه كان هذا الذي كان ..فلندع الآن هذه الحلقة تمضي في طريقها حتى تنقضي.فقد سكت السياق فيها عند هذا الحد وأسدل الستار ..
الدرس الرابع:29 - 35 عودة النبي موسى عليه السلام إلى أرض مصر
تمهيد للدرس
وتمضي السنوات العشر التي تعاقد عليها موسى - عليه السّلام - لا يذكر عنها شيء في سياق السورة،ثم تعرض الحلقة الثالثة بعد ما قضى موسى الأجل وسار بأهله،عائدا من مدين إلى مصر،يسلك إليها الطريق الذي سلكه منذ عشر سنوات وحيدا طريدا.ولكن جو العودة غير جو الرحلة الأولى ..إنه عائد ليتلقى في الطريق ما لم يخطر له على بال.ليناديه ربه ويكلمه،ويكلفه النهوض بالمهمة التي من أجلها وقاه ورعاه،وعلمه ورباه.مهمة الرسالة إلى فرعون وملئه،ليطلق له بني إسرائيل يعبدون ربهم لا يشركون به أحدا ويرثون الأرض التي وعدهم ليمكن لهم فيها ثم ليكون لفرعون وهامان وجنودهما عدوا وحزنا،ولتكون نهايتهم على يديه كما وعد اللّه حقا:« فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا،قالَ لِأَهْلِهِ:امْكُثُوا،إِنِّي آنَسْتُ نارًا،لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها
(1) - صحيح البخارى- المكنز [9 /496] (2684 )
(2) - كشف الأستار [3 /63] (2244و2245) صحيح - زيادة مني