وعن عبادتهم،ودفعا للظلم عن أنفسهم،وقد أخرجوا من ديارهم بغير حق،ولم تكن جريرتهم إلا أن يقولوا:ربنا اللّه،ويبين ما أعده لهم من عوض عما تركوا من ديار وأموال ..
ثم يتحدث بصفة عامة في صورة حكم عام عمن يقع عليهم الاعتداء فيردون عليه بمثله،ثم يقع عليهم البغي والعدوان،فيعدهم نصر اللّه في صيغة التوكيد.
ويعقب على هذا الوعد الوثيق باستعراض دلائل القدرة التي تضمن تحقيق ذلك الوعد الوثيق ..وهي دلائل كونية تتجلى في صفحات الكون ونواميس الوجود وتوحي بأن نصر اللّه للمظلومين الذين يدفعون عن أنفسهم،ويعاقبون بمثل ما وقع عليهم،ثم يقع عليهم البغي ..سنة كونية ترتبط بنواميس الوجود الكبرى ..
وعندئذ يتوجه الخطاب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بأن لكل أمة منهجا هي مأمورة به ومهيأة لنهجه،كل يشغل نفسه بجدال المشركين،ولا يدع لهم فرصة لينازعوه في منهجه.فإن جادلوه فليكل أمرهم إلى اللّه،الذي يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون،فهو أعلم بحقيقة ما هم عليه،وهو الذي يعلم ما في السماء والأرض.
ويعرّض بعبادتهم ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وبقسوة قلوبهم ونفورهم من سماع كلمة الحق،حتى ليكادون يبطشون بالذين يتلون عليهم آيات اللّه.ويهددهم إزاء همهم بالسطو على دعاة الحق بالنار التي جعلها اللّه مصيرهم ووعدهم بها وعدا لا بد آت!
ثم يعلن في صورة بيان عام شامل للخليقة عن ضعف من يدعونهم من دون اللّه.ويصور ضعفهم في صورة زرية لا مبالغة فيها.ولكنها بطريقة عرضها تجسم الضعف المزري.فهي صورة من لا يقدرون على منازلة الذباب،ولا على استنقاذ ما يسلبهم إياه الذباب ..وهم آلهة كما يدعي لهم المشركون! وينتهي الدرس وتنتهي السورة معه بتوجيه الخطاب إلى الأمة المؤمنة لتنهض بتكاليفها.وهي تكاليف الوصاية على البشرية.مستعدة لها بالركوع والسجود والعبادة وفعل الخير،مستعينة عليها بإقامة الصلاة،وإيتاء الزكاة والاعتصام باللّه ..
« وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ،ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا،لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا،وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ،وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ» ..
والهجرة في سبيل اللّه تجرد من كل ما تهفو له النفس،ومن كل ما تعتز به وتحرص عليه:الأهل والديار والوطن والذكريات،والمال وسائر أعراض الحياة.وإيثار العقيدة على هذا كله ابتغاء رضوان اللّه،وتطلعا إلى ما عنده وهو خير مما في الأرض جميعا.