والهجرة كانت قبل فتح مكة وقيام الدولة الإسلامية.أما بعد الفتح فلم تعد هجرة.ولكن جهاد وعمل - كما قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فمن جاهد في سبيل اللّه وعمل كان له حكم الهجرة،وكان له ثوابها ..
«وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا» ..سواء لاقوا اللّه شهداء بالقتل،أو لا قوه على فراشهم بالموت.فلقد خرجوا من ديارهم وأموالهم في سبيله مستعدين لكل مصير،واستروحوا الشهادة في هجرتهم عن أي طريق،وضحوا بكل عرض الحياة وتجردوا بهذا للّه.فتكفل اللّه لهم بالعوض الكريم عما فقدوه: «لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا،وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» ..وهو رزق أكرم وأجزل من كل ما تركوا: «لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ» فقد خرجوا مخرجا يرضي اللّه،فتعهد لهم اللّه بأن يدخلهم مدخلا يرضونه.وإنه لمظهر لتكريم اللّه لهم بأن يتوخى ما يرضونه فيحققه لهم،وهم عباده،وهو خالقهم سبحانه. «وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ» ..عليم بما وقع عليهم من ظلم وأذى،وبما يرضي نفوسهم ويعوضها.حليم يمهل.ثم يوفي الظالم والمظلوم الجزاء الأوفى ..
فأما الذين يقع عليهم العدوان من البشر فقد لا يحلمون ولا يصبرون،فيردون العدوان،ويعاقبون بمثل ما وقع عليهم من الأذى.فإن لم يكف المعتدون،وعاودوا البغي على المظلومين تكفل اللّه عندئذ بنصر المظلومين على المعتدين: «ذلِكَ.وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ.إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ» وشرط هذا النصر أن يكون العقاب قصاصا على اعتداء لا عدوانا ولا تبطرا وألا يتجاوز العقاب مثل ما وقع من العدوان دون مغالاة.
ويعقب على رد الاعتداء بمثله بأن اللّه عفو غفور.فهو الذي يملك العفو والمغفرة.أما البشر فقد لا يعفون ولا يغفرون،وقد يؤثرون القصاص ورد العدوان.وهذا لهم بحكم بشريتهم ولهم النصر من اللّه.
بعد ذلك يربط السياق بين وعد اللّه بالنصر لمن يعاقب بمثل ما عوقب به ثم يقع عليه البغي ..يربط بين هذا الوعد وسنن اللّه الكونية الكبرى،التي تشهد بقدرة اللّه على تحقيق وعده،كما تشهد بدقة السنن الكونية المطردة مما يوحي بأن ذلك النصر هو إحدى هذه السنن التي لا تتخلف.
«ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ،وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ،وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ» ..
وهي ظاهرة طبيعية تمر بالبشر صباحا ومساء،وصيفا وشتاء.الليل يدخل في النهار عند المغيب،والنهار يدخل في الليل عند الشروق.والليل يدخل في النهار وهو يطول في مدخل الشتاء،والنهار يدخل في الليل وهو يمتد عند مطلع الصيف ..ويرى البشر هذه الظاهرة وتلك من إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل فينسيهم طول رؤيتها وطول ألفتها ما وراءها من دقة النواميس واطرادها.فلا تختل مرة،ولا تتوقف مرة.وهي تشهد بالقدرة الحكيمة التي تصرف هذا الكون وفق تلك النواميس.
والسياق يوجه النظر إلى تلك الظاهرة الكونية المكرورة التي يمر عليها الناس غافلين.ليفتح بصائرهم ومشاعرهم على يد القدرة،وهي تطوي النهار من جانب وتسدل الليل من جانب.وهي تطوي الليل