فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 4997

رَمَضَانَ،فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ،فَلَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ [1] ..ومن الثابت أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وقد قرأ القرآن كله على جبريل - عليه السلام - كما أن جبريل قد قرأه عليه ..ومعنى هذا أنهما قرآن مرتبة آياته في سوره.

ومن ثم يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية مميزة! شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس! ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص.ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة،تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو.ولها إيقاع موسيقي خاص - إذا تغير في ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة [2] ..وهذا طابع عام في سور القرآن جميعا.ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة.

2 -ملابسات نزول سورة البقرة:وبدايات الهجرة

هذه السورة تضم عدة موضوعات.ولكن المحور الذي يجمعها كلها محور واحد مزدوج يترابط الخطان الرئيسيان فيه ترابطا شديدا ..فهي من ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية في المدينة،واستقبالهم لها،ومواجهتهم لرسولها - صلى الله عليه وسلم - وللجماعة المسلمة الناشئة على أساسها ...

وسائر ما يتعلق بهذا الموقف بما فيه تلك العلاقة القوية بين اليهود والمنافقين من جهة،وبين اليهود والمشركين من جهة أخرى ..وهي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أول نشأتها وإعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض،بعد أن تعلن السورة نكول بني إسرائيل عن حملها،ونقضهم لعهد اللّه بخصوصها،وتجريدهم من شرف الانتساب الحقيقي لإبراهيم - عليه السلام - صاحب الحنيفية الأولى،وتبصير الجماعة المسلمة وتحذيرها من العثرات التي سببت تجريد بني إسرائيل من هذا الشرف العظيم ..وكل موضوعات السورة تدور حول هذا المحور المزدوج بخطيه الرئيسيين،كما سيجيء في استعراضها التفصيلي.

ولكي يتضح مدى الارتباط بين محور السورة وموضوعاتها من جهة،وبين خط سير الدعوة أول العهد بالمدينة،وحياة الجماعة المسلمة وملابساتها من الجهة الأخرى ..يحسن أن نلقي ضوءا على مجمل هذه الملابسات التي نزلت آيات السورة لمواجهتها ابتداء.مع التنبيه الدائم إلى أن هذه الملابسات في عمومها هي الملابسات التي ظلت الدعوة الإسلامية وأصحابها يواجهونها - مع اختلاف يسير - على مر العصور وكر الدهور من أعدائها وأوليائها على السواء.مما يجعل هذه التوجيهات القرآنية هي دستور هذه الدعوة الخالد ويبث في هذه النصوص حياة تتجدد لمواجهة كل عصر وكل طور ويرفعها معالم

(1) - صحيح البخارى- المكنز [11 /364] (3220 )

(2) - يراجع فصل: «التناسق الفني في كتاب «التصوير الفني في القرآن» - «دار الشروق»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت